عمرو خالد من المستشفى رجاء الدعاء
Posted by غير معرف | | Posted in عمرو خالد
مفتشو مديرية التموين بدمياط تضبط 20 الف لتر سولار
Posted by غير معرف | | Posted in حوادث, دمياط
برقية شكر من وزير التموين لمفتشى تموين دمياط
بعث باسم عودة وزير التموين برقية شكر إلى السيد السؤالى مدير عام التموين بدمياط وجميع العاملين بمديرية التموين على جهودهما فى ضبط المركب المخالفة الذى تم ضبطه منذ أيام أثناء قيامة بتهريب السولار.
حيث قام مفتشو مديرية التموين بدمياط بتحرير محضر رقم 11399 ضد المركب أحمد بلال للاستيلاء على كمية سولار مقدارها 19550 لتر والتصرف فيها فى غير الغرض المخصص لأجله وتم مطالبته بسداد فرق سعر يقدر بمبلغ 66.656 ألف جنيه لصالح الدولة.
محمود قرنى | سيرة شخصية
Posted by غير معرف | | Posted in الثقافة, محمود قرنى
سيرة شخصية
ـ محمود قرني
ـ من مواليد مدينة الفيوم / مصر 1961 ويقيم بالقاهرة .
ـ حاصل علي درجة الليسانس في القانون من جامعة القاهرة 1985
ـ أصدر عددا من
الدواوين الشعرية منها :
ـ حمامات الإنشاد هيئة قصور الثقافة 1996 م
-
خيول علي قطيفة البيت دار الأحمدي للنشر 1998م
-
هواء لشجرات العام هيئة الكتاب 1998م
-
طرق طيبة للحفاة هيئة قصور الثقافة 2000م
-
الشيطان في حقل التوت دار ميريت للنشر 2003
-
الشيطان في حقل التوت ط2 مكتبة الأسرة 2009
-
أوقات مثالية لمحبة الأعداء ميريت للنشر والترجمة 2006
-
قصائد الغرقي دار التلاقي للنشر 2008
-
قصائد الغرقي
ط2 خاصة 2010
-
لعنات مشرقية دار الأدهم للنشر والتوزيع 2012
ـ عمل بالمحاماة
والصحافة وهو المحرر الثقافي لجريدة القدس العربي مكتب القاهرة .
ـ شارك في العديد من
المهرجانات الشعرية العربية والدولية
ـ أسس مع آخرين ملتقي قصيدة النثر بالقاهرة لدورتين متصلتين في 2009 ,2010 بمشاركة أكثر من أربعين شاعرا عربيا .
ـ أسس جماعة شعراء غضب
المعنية بقصيدة النثر التي أقامت عددا كبيرا من الفعاليات بنقابة الصحافيين
المصرية .
ـ أسس مجلة مقدمة
المعنية أيضا بقصيدة النثر التي لازالت تصدر حتي الآن .
ـ نشر عشرات المقالات
حول الشعر والسياسة والرواية والنقد
الأدبي والفنون التشكيلية
ـ شارك في عضوية مجلس
أمناء مركز أحمد شوقي وبيت الشعر التابعين لوزارة الثقافة ثم استقال منهما .
_ شارك في تأسيس مجلة
الكتابة الأخري المستقلة التي تصدر منذ مايو 1991
وحتي الآن
_ شارك في تأسيس مجلة
العصور الجديدة التي كانت تصدر عن دار سينا للنشر في نهاية التسعينيات .
ـ عضو أتلييه القاهرة
للكتاب والفنانين
ـ عضو اتحاد كتاب مصر
البريد الإليكتروني :
Mkorany2010@gmail.com
أسئلة الشعر مع : محمود قرنى حاوره : البهاء حسين
Posted by غير معرف | | Posted in الثقافة, محمود قرنى
أسئلة
الشعر
مع : محمود قرنى
حاوره : البهاء حسين
يخلص محمود قرنى للشعر إخلاص محتسب. تراه يدب فى الشوارع من
الصحافة إلى تجريب السياسى الهاوى بداخله إلى القصيدة بخطى مازال يمسها الشغف
بإصلاح العالم. لهذا لم تطلق قصيدته القضايا الكبيرة. محمود ببشرته السمراء ،بحصته
من المرض, حصاة صلبة كقصيدته التى تبحث عن نفسها داخل شخص ومجتمع مأزوم. محمود
متمسك بالكتابة كحيلة للتأقلم, للمواجهة, أكثر من ذلك يؤمن مع كافكا, أن الكتابة
«ضرب من الصلاة», وان كان شعره يؤمن بالإنسان فقط, بالأرضى.. بالحقائق الماثلة
التى تلمسها اليد, لا بالميتافيزيقى, لأن الإنسان, بالنسبة له ميتافيزيقيا كافية.
فى جلساتنا القليلة يأخذنا الكلام إلى ما بيننا من اختلاف حول
هذه النقطة, وإن كنا ننصرف سريعاً إلى النميمة عن الأوغاد إلى أن تأخذنا القصيدة
التى كثيراً ما نلتقى عليها. محمود يعول على الزمن, على طريقة «يناضل أيضا من يقعد
ينتظر», وفى قعوده يكتب مشروعه الآخذ بانجاز نفسه منذ «حمامات الإنشاد» 1996, إلى
«قصائد الغرقى» الصادر منذ فترة. وقد سألته بهذه المناسبة: ألا توافقنى الرأى على
أن تجربة جيلك تم التشويش عليها، إما من غير الموهوبين فى هذا الجيل، أو من قبل
مؤثرات أخرى؟. فمسد شعره الأكرت الذى لم يشب بعد وقال:
-
سؤالك يعيد إلى الواجهة عددًا من الالتباسات التى أحاطت بما يسمى بجيل الثمانينيات،
وهى التباسات ترتبط بالظرف السياسى العام بأكثر من ارتباطها بالشعر نفسه.. وإن بدت
الأزمة - فى الواجهة - على غير ذلك، إلا أنها تشير إلى ملاحظة أساسية هى أن بداية
حقبة الثمانينيات كانت قد شهدت انفراطًا سياسيًا كاملاً للجماعات السياسية
والتكتلات اليسارية تحديدًا، وورث الجيل لائحة 1979 التى قضت على العمل السياسى
العام فى الجامعة، وتنامت الحالة الفردية وتجلياتها مع الجيل حتى الآن، وهى الحالة
التى قضت على كل احتمال للالتفاف حول أية مقولات تستعيد الشعار السياسى وتحتمى به،
وإن كان ذلك أفاد الشعر من ناحية إلا أنه أضر بالشعراء من نواحٍ عدة، لاسيما على
مستوى القدرة على التكتل والعمل العام.
فقد
كان معظم شعراء الجيل يناهضون الشعرية السبعينية بسبب ما وصلت إليه من تعسف جمالى
واستغلاق تميزت به القصيدة الرؤيوية، وهو ما كرّس للعديد من العداوات بين شعراء
طالعين يملكون الكثير من البراءة أمام شعراء مدربين ومحنّكين كانت لديهم القدرة
على التصنيف فى إطار مرجعي، أيديولوجى أحياناً، ومتواطئ فى معظم الأحايين.
كان
الشعور العام لدى شعراء هذا الجيل أن ثمة عودة مطلوبة، بل حتمية، إلى ما يمكن
تسميته بجوهر الشعر دون الإغراق فى إسراف ألعاب الشكل، وما رسخت له حداثة المعامل
اللغوية لدى باختين وتشومسكي، وهى الحداثة التى تم نقلها بعماء يثير الأسى، لكن
هذا الاعتقاد لم يتحول أبداً إلى مقولات جازمة، ومع ذلك استطاعت النماذج الأولى
لجيل الثمانينيات - وإن جاءت متأثرة بالمرجعية الستينية - أن تقدم نصًّا لا يقيم
اعتباراً كبيراً للمرجعية السبعينية، وهو ما كشف عن هوة كبرى بين جيلين من المفترض
تلاصقهما، وهو الأمر الذى خلّف لنا حربًا خارج أية معايير أخلاقية ما زلنا نعانى
من بعض آثارها حتى يومنا هذا، رغم أن معظمها يقع خارج الشعر.
لكننى
أؤكد لك أن سؤالك كان بالفعل أكثر صدقية قبل عشر سنوات من الآن، لكن بقاءه حتى
اليوم يعنى أنه يسرى مسرى الشائعة.. فقد تغيرت الخارطة كلية، وحدث ثمة فرز يقترب
إلى الموضوعية بالنسبة للحقبة السبعينية والثمانينية أيضاً، وأصبحنا الآن نستطيع
الإشارة بشيء من الوضوح إلى شعراء بعينهم دون أن نخشى الخذلان.
• المشهد
الشعرى الآن مشوش أيضاً، كيف ترى أنت هذا المشهد؟
-
التشوش الحادث فى المشهد الشعرى حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنها يجب ألا تجرّ خلفها
مزيدًا من مصمصات الشفاه، فثمة غرض - غالباً غير نزيه - يقف خلف مثل هذه المقولات.
غير العارفين بالمشهد وأعداؤه يقولون عادة هذا الكلام. فعلينا أن نتأمل أوجاع
القصيدة من داخلها قبل الانجرار خلف من يريدون قيادتنا إلى مزيد من الحُلكة.
قصيدة
النثر الآن تمتلك أكثر أدواتها، وقد تجاوزت بالفعل التأسيس الأول، بحيث بات الآباء
الأوائل غرباء عليها، وأثق فى أنك تعرف ذلك وتحب - مثلى - عدداً لا بأس به من
تجارب شعرائها.
غير أن
السؤال يمكن قراءته من داخل المشهد بشكل أكثر دقة على مستويين:
المستوى
الأول يرتبط بالغوغائية المحيطة بحداثة المشهد وكثرة مريديه وعشاقه والحالمين بأن
يكونوا جزءًا منه، وهو مطمح وإن كان مشروعًا، إلا أنه ليس من سبيل إليه سوى طرح
منجز موضوعى يمكن الاحتكام إليه، وهو أمر يستحيل توافره للكافة.. ومن ثم فإن
أدعياء المشهد يصبحون جزءًا من هذا التشوش، وعدد لا بأس به من المتحدثين عنه لا
ينأى دورهم عن هذا الوصف، دون أدنى ظلم لهم. لكن هذه الغوغائية سمة تاريخية صاحبت
صعود الأجيال الشعرية عبر التاريخ، وقد ساعد على نمو هذه الأوشاب عجز الحركة
النقدية عن موالاة متابعتها لصناع الشعرية الجديدة والنماذج المؤثرة فيها، وأضف
إلى ذلك وصول الشعر إلى أقصى حالات عزلته، بحيث بات الحديث عنه على المنابر
الإعلامية أمرًا مرذولاً وغير مرحَّب به.
المستوى
الثانى يرتبط بالأول بشكل ما، وإن كان يعنى بالنص من داخله. فقصيدة النثر الجديدة
صاحبها الكثير من التلفيق وسوء الفهم من الشعراء أنفسهم، وحدث نوع من الترويج
والصعود الكاذبين للنموذج الذى ولد مرتبطًا بالمرجعية البيروتية التى تمثل مرجعية
غربية تأثرت بالرمزية الفرنسية أشد التأثير.. وهذا اعتراف اللبنانيين أنفسهم.
كان
الترويج لهذا التوجه يبدو أكثر تلبية لحاجة غير شعرية على الأغلب مثّلتها الرغبة
فى نزع الكثير من الخصوصية المحلية أو بمعنى أدق حدث ما يمكن تسميته بـ «الرغبة فى
تدويل الرمز المحلي»، وهو ما يقدم نموذجاً أكثر ولاءً لما بعد الحداثة تحت إطار
توسيع دائرة الشمول الإنساني.
وكانت
هذه القناعة تقف خلف الإهدار الكامل لخصيصة الرمز المحلى والقيمة المكانية بما
تحمله من زخم وخصوصية، فجاءت النصوص المكتوبة تحت تأثير هذه القناعة وليدة أرواح
مسروقة لأنها تعمل تحت تأثير أقانيم لا تخصها، وتفصلها عنها مسافات واسعة.
أضف
إلى ذلك الوعى القاصر بالوظيفة اللغوية وبفهم الشعراء للدور الأدائى أو الوظيفى
للغة، ومن ثم إهدار القيمة الوصفية والتخيلية التى يمكن أن تتولد عن مستويات
التوتر فى اللغة الشعرية، وقد دفع هذا الفهم نصوصاً كثيرة إلى محرقة المألوف
والعادي، وهو ما يخرجها كلية من حقل الشعر بغض النظر عن الشكل الذى تتزيّا به.
لقد
وقعنا جميعاً فى خطأ جوهرى هو الاعتقاد بأن حداثة الشكل قيمة فى حد ذاتها، وهو أمر
غير صحيح على أى نحو.
من هنا
لا يمكننا أن نحول الواقع إلى ضحية للشعراء والشعر معاً.. فمن يستحق الإدانة هو
الشاعر الذى يعتقد أنه فوق الواقع.
• لا
تبدو قصيدتك، بشكل أو بآخر، بعيدة عن مسألة الالتزام.. قل لي: ما مفهومك عن
الالتزام؟
-
مفهوم الالتزام مثير لعدة إشكاليات. فأول ما يتبادر للذهن من ميراثه يبدو مرتبطاً
بالحقبة السياسية التى أنتجت الدولة القومية ومن ثم أدب الواقعية.
ونحن
لا يمكننا - رغم الميراث الشمولى الثقيل للدولة القومية - أن نهدر القيم الرفيعة
التى أسس لها هذا الأدب بتياراته المختلفة. فقد كان ماركس يعتبر بلزاك أهم روائيى
القرن العشرين بالمطلق، رغم أنه كاثوليكى مؤيد للملكية، وكان ماركس يعول فى رأيه
على أن قدرة بلزاك على صوغ الألم الإنسانى للعبيد والأقنان والمرضى والفقراء
والمعوذين تتعدى وعيه الفطرى بالبناء الهيراركى للمجتمع المتخلف.
وكانت
المشكلة ذاتها، وإن بشكل متأخر، قد حازت الكثير من الجدل المصرى على يد لويس عوض
ومحمد مندور اللذين أكدا على الوظيفة الاجتماعية للأدب والفن، وصلاح عبدالصبور
الذى أكد على الوظيفة الإنسانية له.
وما
بين الوظيفتين، الاجتماعية والإنسانية، تقف العديد من التصورات لمفهوم الالتزام
بعيدًا عن ظلال الدولة القومية وميراثها العريض. ولا يمكن للفن نفسه أن يحسم
خياراته حيال هذا الحقل النسبى الذى يبدو غائباً معظم الوقت، وإن كان المعنى
المثير للتخوفات يبدو أكثر وضوحًا مع أفكار ما بعد الحداثة التى هددت ولا تزال
الهويات الضعيفة غير المنجزة أو التى قيد الإنجاز.
لذلك
كان محمود درويش والكثير من رفاقه يَصِمُون الشعر الجديد بالمجانية والعدمية،
ويعتبرون أن مخاطره الحقة تتمثل فى انجرافه خلف تدويل المعنى الإنسانى والحميم
للمكان، بما يعنى من جهة أخرى القول بامتهان الهوية بشكل يصل حد الازدراء.
وإن
كنت لا أثق فى قراءة من هذاالنوع المتسرع والمغالى فى محافظته، إلا أننى أستعيد
دائمًا عددًا من القيم الرفيعة التى كانت موضوعًا لشعرية شديدة التحرر وشديدة
المسئولية. ولدى بريخت الشيء الكثير من هذا، إذ كان يعول دائمًا على ما يقوله
الشعر بغض النظر عن درجة إنصات المجتمع وساسته لأنين الشاعر والشعر معًا. وقد كان
لوتريامون، الذى قدم نموذجاً أعلى للوعى السوريالي، فى ديوانه «أناشيد مالدرورو»
يقول إن الشعر يجب أن يصدر عن الناس جميعاً، رغم أن شاعرًا واحدًا هو من يكتبه.
ومن هنا تبدو فكرة المسئولية بالمعنى المجتمعى أكثر وضوحًا فى وعى الشاعر إذا ما
ارتبطت بأداته الجمالية.. فهذه الفكرة تحقق أفضل حضور لها فى إطار الخصيصة الشعرية
التى يدفع بها الشاعر فى دماء كائناته، تلك العصيِّة على الوصف.. أو التصنيف.
• تصدر عن
صوت شعرى هو خليط من النفسي، الأيديولوجي، الأسطوري، واليومى فى آن.. كيف ترى أنت
مصادرك؟
- وصفك
دقيق لما أعتقد أنه مصادرى الحقيقية لتشكيل النص الشعري.
وتبدو
ثمة تناقضات بين أطراف هذا الوصف إذا ما وضعنا اليومى بما يميزه من راهنية،
والأسطورى بما يمثله من نوستالجيا وحنين إلى لحظات ضاربة فى ماضويتها، إلى جوار
النفسى بما يمثله من شواغل ذاتية تنأى عن الوصفين السابقين وتتميز باعتزاليتها
وخفوتها.
وأتصور
أن الوصف والتشخيص الشعريين للنص، أى نص، ينطلق من جوهر واحد هو الوعى الفطرى
بالمأزق الوجودي، بعد ذلك يأتى دور الوعى المعرفى ليخلص فطريتنا من بدائيتها قدر
المستطاع.
وما
يراه البعض أوشابًا وتزايدات على صرامة العوالم الشعرية، يمثل أحيانًا النخاع
الحقيقى الذى يملك مفتاح الحياة للنص الشعري. فقبل أن نقدس الهياكل العظمية منزوعة
النخاع، أقصد منزوعة اللغة ومنزوعة الشعر، علينا أن نحترم فكرة الخطأ الشعري،
فالخطأ هنا يعنى مزيدًا من الاحترام لفكرة التخييل التى أهدرها ماضى الشعر العربى
جملة.. فالشاعر الذى لايزال يكتب تحت تأثير بداهة ووضوح الصحراء العربية.. بما
تمثله من نسق معرفى هو شاعر إما كاذب أو دَعِيّ.. وفى أحسن الأحوال هو نصف جاهل.
فالتراكم
المعرفى الهائل، والتداخل الحضارى بما يفرضه من تنوع إنساني، فرض وعيًا مركبًا على
الفن بكل أشكاله، ولا أتصور هذا الوعى فى الشعر ينأى عن هذا التداخل الحتمى بين
فرضيات تبدو - للوهلة الأولى - متناقضة، المهم فى الأمر أن يدرك الشاعر مساحة
التداخل الافتراضية بين عناصره الشعرية، وثمة حتمية لصنع إطار يحكم قناعاتنا
بالعناصر الشعرية، فمتى يبدأ اليومى ومتى ينتهي؟! كذلك الأمر بالنسبة للعنصرين
الآخرين: الأسطورى والنفسي.
وبالنسبة
لى فإننى وجدت نفسي، منذ زمن بعيد-وهذا ربما له علاقة بالتكوينات الأولى التى لا
يد لنا فى اختيارها- أذهب عادة إلى الشعر الذى يأتى من لحظة ما فى الماضي، ربما
القريب وربما البعيد، لذلك لا أستطيع إكمال قصيدة أو رواية تبدأ فى الزمن المضارع،
وستجد شعري، ربما كله، يحتفى بالجملة الاسمية والفعل الماضي، ستجده يحتفى كذلك
بالتعيين لا التجريد، وعادة ما أنزع إلى الارتقاء بالكائنات الشعرية لما فوق
الواقع، وأزعم دائماً أن هذا هو ما يمنحها سحريتها وخلودها، ويتحقق ذلك أحيانًا
عبر انحرافات لغوية، أو عبر غرائبية الطقس الشعرى وربما مفارقته فى القليل من
الأحيان.
وفى
الإجمال كنت وما زلت أرى أن اتساع المرجعية التى تشكل المصادر الشعرية أقدر على
البقاء والتنوع والاستمرار، من تلك القناعات المعقمة حول الشعر.. إنها قناعات تصلح
للصالونات التى تتبادل الأكاذيب فى إطار الوجاهة الاجتماعية، لأناس يتبرمون من
طبقتهم ويسعون لركلها، وينتجون أشعارًا تنتمى للعالم المخملى الذى يحلمون به، وهذا
هو شرفهم!
• هل ثمة
تغيير طرأ على دور الشاعر، فى ظل العولمة. ثم ما دور الشاعر أصلاً.. أسألك عن شهوة
إصلاح العالم؟
-
الربط المباشر بين دور الشاعر فى ظل العولمة ودوره قبلها يحيل إلى قراءة سياسية
للعلاقة بين الفن والسلطة أو بين المثقف والسلطة. ولا أظن أن قراءة من هذا النوع
ستكون منصفة للشاعر أو الشعر.
أتذكر
الآن شعارًا رائعًا دشن به جيل السبعينيات مشروعه الشعرى يقول: «إن الشعر ليست
مهمته تقديم وتبنى خطابات الثورة، الفن هو صانع الثورة وفاعلها».
وعلى
ما يحمله هذا التصور من رومانسية تعكسها الثقة المطلقة فى قدرة الشعر على تغيير
العالم، إلا أن الوجه الآخر له ينفى عن الشعر مهمته التاريخية بتسويغ خطابات
السلطة. لقد تجاوز الشاعر هذا الفهم المهين، وارتبط الشعر العربي، مع مشروع قصيدة
الشعر الحر، بمفهوم يضمن عهدًا جديدًا للشعر مع القيمة الإنسانية. فرغم تقديس هذا المشروع
للمفهوم القومى للأمة بظلاله الفاشية، إلا أنه كان يتجاوز المفهوم الإلهى للحكم
إلى الدفاع عن هويات تشكلها الجماعة ويسهر على بنائها الصوت الهادر لشعوب خرجت
لتوِّها من عباءة القهر الاستعماري، بعد أن تم التعامل معها، لعشرات السنين،
باعتبارها مستوطنات للفقر والجهل والمرض. وظلت مهمة الشاعر - فى إطار المشروع
الوطنى ذى البعد التحررى - إضفاء قيمة مطلقة على قاموس جديد فى المرجعية العربية
يتمثل فى إعادة الاعتبار لمفاهيم العدل والحرية والمساواة، وهى مفاهيم تفارق
المعنى الدينى الذى ارتبط بالحكم الكهنوتى الذى عضّدته المرجعية الفقهية، ومن ثم
كانت قصيدة الريادة هى أعلى التجليات الثقافية للدولة المدنية ذات الصبغة
العلمانية.
وبانهيار
هذا المشروع النهضوى صعدت العولمة التى لا يمكن أن ننزع عنها رغبتها فى إقرار حقوق
الأقليات وتعميم المساواة بين المراكز والأطراف، غير أن هذه المعانى ظلت رهن خطاب
النخبة الغربية ولم تغادر أدبياته إلى أرض الواقع، وظلت الثقافة التمييزية بين
الشمال والجنوب هى العنوان الحقيقى لدولة ما بعد الحداثة.
من هنا
فإن الحديث عن الشعر فى ظلال العولمة يبدو ربطًا قسريًا، فليس ثمة علاقة إلا
التنافر تربط طرفى المعادلة.
فالشعر
- كما قلت - يحتفى بالماضى، والعولمة تولد من رحم ما بعد التاريخ، أى أنها تنكر
القيمة الرمزية لهذا الماضى، كذلك فإنها تكرس النمط الاستهلاكى للثقافة ومن ثم فهى
تخرجها من كونها إنتاجًا معرفيًّا إلى كونها مادة قابلة للتسليع.
فى هذا
السياق فإن الشعر الذى يعى دوره فى طول العالم وعرضه، يقاوم العولمة، لكن قصيدة
النثر تعى فى المقابل أنها لا تحارب فحسب دفاعًا عن المفهوم الهويّاتى الضيق، إنها
تدافع عن الإنسان أيًا كان موقعه، فى إطار الشرط الجمالى الذى يحتفظ لها بخصيصتها
الشعرية.. وهنا تكون القصيدة مضطرة إلى الخفض من خطابها الإنسانى المباشر، الذى
يحتمى بالحكمة والبلاغة، ومن ثم يكون الحديث عن تغيير العالم عبر الشعر فيه الكثير
من انعدام الثقة.
• إذن
وسط هذا الالتباس.. ما الذى يحرض على الكتابة؟
-
محفزات الكتابة يمكن التعامل معها باعتبارها التربة التى تتشكل فى رحمها التجربة
الشعرية.. بغض النظر عن التجليات التى أحاطت بدوافع الإبداع عبر العصور.
فما
يخصنى - بشكل شخصى - فى سؤالك هذا، لا يعنى بالضرورة أهمية ما لمحفزات الكتابة
لديّ، بل على العكس من ذلك، فالسؤال يمثل مأزقًا فضائحيًّا لشعراء فقراء يفتقرون
إلى القدرة على الاحتفاظ بطقوسهم اليومية البسيطة، وأنا مثل كثيرين من أقراني،
أزعم أحيانًا أن الشعر يأتى من الوحدة والتوحد، ثم أضطر لكتابته فى حافلة أو فى
مقهى، وأحيانًا ما نضطر لامتهان بعض الأعمال - التى أستأذن قارئى فى وصفها
بالوضاعة - دون أن أسميها، ووسط هذه الأعمال نكتب أشعارًا يبدو عمرها أطول من
أعمارنا، أو هكذا أعتقد مدفوعًا بثقتى فى الشعر، لذلك لا يمكننى الحديث عن
المحفزات الشعرية دون خوف من المسئولية، أقصد مسئوليتى الأخلاقية فى احترام قارئ
لا يشغل نفسه بثرثرات أمثالي، وربما بمسوح كهنوت، أتصور أن كشف بعض هذه الحيوات
السرية الهشة يعنى أننا نستحضر الشيطان الذى يسكن التفاصيل.. وهذا لا يعنى أبدًا
أن ثمة أسرارًا لابد أن نخفيها.. فالأمر أهون من ذلك حسبما أتصور.
تتبقى
ملاحظة أظنها المرجعية الحقيقية لسؤالك.. وتتمثل فى الاعتقاد، الذى ربما يعشش فى
قلوب وعقول الكثير من الشعراء من أن ثمة غموضاً لابد أن يكتنف العالم السرى
للكتابة ومن ثم تحظى لحظة الخلق الشعري، بما تحويه من دوافع، بشيء ليس قليلاً من
القدسية والإيهام.
وأظن
أننا بشكل أو بآخر ما زلنا نعتقد فى أن عنصر الإلهام يقف خلف ما نكتبه ويعضد سحره
الأخاذ بالنسبة لنا على الأقل.. وخطورة بقاء هذا الاعتقاد يعنى أننا مازلنا نؤمن
بأن الشعر يوحى به، وأن الشيطان الذى كان ينفخ فى فم «ذى الزمة» هو نفسه الذى ينفخ
فى أفواهنا حتى هذه اللحظة.. وخطورة استمرار هذا الاعتقاد تتمثل فى بقاء الشاعر
رهن نبوة كاذبة.. ومن ثم فإن اعتداده بما يفعل، فى الشعر وخارجه، يأتى على خلفية
من امتلاكه شيئًا من مس النبوة.. وتنامى هذا الاعتقاد خلق لنا شعراء شبه أميين
يعتقدون أن الثقافة والمعرفة من أدوات تعطيل الفطرة الشعرية المعضدة بالوحى وفرادة
الخلق.
ولا
أظن الشاعر الحديث الذى يؤمن بالبناء الاجتماعى المتعادل والمتساوى يمكنه أن يؤمن
بهذه القناعات، فالسوريالية مثلاً حوّلت الشاعر الذى يعيش على جبال البرانس ينتظر
شيطانه إلى ساحر فقير مضحك.. بل تحول الشعر إلى الكثير من السخرية بالأقانيم وعلى
رأسها أقنوم الشاعر نفسه، وأظن أن التجارب الحضارية الكبرى لم تعد فى حاجة إلى
استعادة شعراء الوحي.. فقد كانت التعرية المؤلمة التى خلفتها الحروب الكبرى لآلام
الإنسان موضع سؤال عميق ظل يضج بالألم والسخرية.. ويبدو أننا نحتاج إلى شيء من هذا
الوعي.
• قل لي:
ما مواصفات القصيدة الجيدة.. وكيف ترى الفارق بين النص الجميل والنص المؤثر!.. وهل
حداثتك قطيعة مع الماضى بالضرورة؟
- كان
«أبو تمام» ، وهو أحد حكماء الشعر العربي، يعتقد دائمًا أن صور الشاعر منحة
«قدرية»، وهو اعتقاد يشاركه فيه الكثير من الكبار فى الشعرية العربية، ولا أعلم
إذا كان هذا الاعتقاد سببًا فى تواضعه الجم الذى دفعه إلى القول عن أستاذه «البحتري»
عندما سُئل عنه: «جيِّده أفضل من جيِّدي، ورديئى أفضل من رديئه». بهذا المعنى
يمكننا أن نشرع فى فهم القيمة الشعرية لتراثنا الإنسانى فى الشعر وغيره، حيث تتبدى
القيمة «الجودة» فى الكتابة بعيدة عن تصورات الحداثة والقدامة. وتؤكد هذا المعنى
فعالية النصوص القديمة وبقاؤها فاعلة حتى الآن، ومن يتمثل كتاب «صوت أبى العلاء»
وأشواق طه حسين للارتقاء بنثره فى قراءة النص إلى مصاف الشعرية وربما أبعد من ذلك.
وبقاء النص فى التاريخ يعنى أن عناصر الحادثة ترتبط وثيقًا بامتلاك العناصر
النسبية للتجويد، فجودة النص هى سر بقائه، لذلك فإن بورخيس كان يقول «إن كل نص جيد
حديث بالضرورة، حتى لو كان مكتوبًا قبل آلاف السنين».
من هذه
الزاوية يجب أن ننظر إلى حداثتنا وما نزعمه حولها بكثير من التواضع.. فهذا هو ما
يدلنا على المواقع الصحيحة لأقدامنا، وأنا بشكل شخصي، ومن هذا المنظور، لا أتصور
أن حداثة يمكنها أن تقوم بمعزل عن فهم الماضى الذى تطمح للوقوف على أطلاله.
• فى
المجتمع المصرى والعربي.. هل يمكن الحديث عن الشعر باعتباره تطوراً للتغيرات
المجتمعية.. وهل تحولات القصيدة جزء من هذه التحولات المجتمعية؟
- هذا
سؤال يحتاج إلى مؤسسات المجتمع كافة للإجابة عنه، لأن ما يخص الشعر فيه يخص - فى
الوقت نفسه - مؤسسات المجتمع وأفراده وجماعاته.
والملاحظة
الأولى الجديرة بالنظر هى العزلة التى وصل إليها الشعر إعلاميًا ومجتمعيًا، وربما
كان ذلك ترجمة لانغلاق المسام التى تؤدى إلى سبل التجديد، لدرجة بات معها الكلام
عن النص الجديد يعنى نوعًا من الهزل ويدفع لمزيد من عدم الإنصات.
وبدت
الصورة كما لو كان المجتمع الذى يكتب الشاعر من أجله هو من يقاوم ويرفض بل ويسخر
من فكرة التجديد نفسها.. وهو تعبير قاس عن هزيمة المشروع النهضوى وإجهاضه كلية،
بغض النظر عن القيمة التى حاول النص الشعرى ترسيخها.
ويذكر
«إقبال أحمد» أحد كبار المنظرين فى آسيا لحقبة ما بعد الكلونيالية أن المشروع
النهضوى الذى بعثته الدولة القومية كانت كارثته الحقيقية فى أنه ظل يرى نفسه من
خلال الخطاب الاستشراقى الذى تركه الاحتلال ورسَّخ له وحوله إلى وجدان عام لدى
النخب الفاعلة فى المجتمعات والمستوطنات المحتلة، وإدوارد سعيد نفسه يتقاطع مع هذا
المعنى فى قوله «إن الدولة القومية التى تمسكت بمشروع وطنى للنهضة لم تفعل أكثر من
استبدالها الشرطى الأبيض بالشرطى الوطني»، ويعنى سعيد أن آليات الوعى ظلت أسيرة
الشباك التى أعدها الاحتلال للفريسة.
فى
إطار هذا الوعى لابد من إدراك أن الشعر يحاول صياغة قيمة تقفز على هذا التراجع
وتحاول استعادة إنسانها، دون أن يكون التعبير الشعرى رديفًا للتراجع المجتمعى وإن
كان معنياً برصد هزيمته.. وارتباط الشعر بمستوى من الوعى يتجاوز البعد السياسى
للحراك العام يجعله متحررًا - فى الكثير من الأحوال - من سلطة الخطاب الغوغائى
الذى يروج له ساسة فاشلون أو متسلطون فى أحسن الأحوال.
فقد أدت تداعيات الهزيمة،
بالمعنى الحضاري، إلى انعدام الثقة فى قدرة الفن على إنقاذ الروح العامة من
الانهيار.. فى مجتمعات تفتقر إلى الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، وتُمتهن فيها
كرامة الإنسان دون أدنى روادع أخلاقية أو قانونية. ومن ثم على الشعر - رغم صعوبة
مسئوليته، أن يبادر إلى تبنى الدور الجمالى المناسب الذى لا ينفصل عن الدور
الأخلاقي، حتى لو كان من يقاومون الحداثة هم أنفسهم المعنيون بها.
محمود قرني و الشيطان في حقل التوت : غوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض | صبحي حديدي
Posted by غير معرف | | Posted in الثقافة, محمود قرنى
محمود قرني و الشيطان في حقل التوت : غوص بالمعني إلي قيعان الحسّ
المحض
صبحي حديدي
ضمن الحدّ
الأقصي من الترجيحات المحتملة ــ والواسعة المتشعبة المعقدة ــ التي تتيحها
أواليات التخييل الإنساني في توافقها حول سلسلة المعطيات والعلاقات والروابط التي
تصنع وتجيز هذه الصورة الشعرية أو تلك، ما الذي يمكن أن تصفه السطور التالية:
كُوني كما تصوّرتُكِ
ساعة إشراق الشمسِ
شعرٌ أخضر يخامر الأصابعَ
يطلع ناعساً من مخمله
ينام علي قلبك الأبيض حتي الصباحْ
ويقبض علي خصرك الذي يشبه
خاتم قدّيس
أنا منتشٍ هكذا
واسمكِ يمرّ كنسمة علي فم المغنّي
أريد أن أذهب إلي السوق
وأشتري من أجلك أرواب زينةٍ
وأضواء مبهرةٍ
يا أخت أبي استسلمي لذراعيَّ
فأنا أحبك حتي النهاية.
هذه أنثي علي الأرجح، يقول قاريء. دون ريب، قد يضيف قارئ آخر، متكئاً ـ ليس دون مسوّغات، في الواقع ــ علي معطيات بيّنة مثل تواتر ضمير المخاطب المؤنث، والشعر الأخضر، وأرواب الزينة، وأخت الأب. الشاعر، من جانبه، يخاطب كائناً أنثي بالفعل، ولكنها من نوع خاصّ يصعب أن يستدعيه البال من الخزين التصويري المألوف، ولعلّه يشقّ حتي علي ذلك البال المدرّب علي إطلاق العنان للمجاز: الشاعر يناجي أنثي بالفعل، ولكنها أنثي ـ نخلة!
السطور السابقة جزء من قصيدة النخلة ، وهي عيّنة أولي علي عدد كبير من طرائق التمثيل المجازي الخاصة التي تحفل بها مجموعة الشيطان في حقل التوت (1)، للشاعر المصري محمود
كُوني كما تصوّرتُكِ
ساعة إشراق الشمسِ
شعرٌ أخضر يخامر الأصابعَ
يطلع ناعساً من مخمله
ينام علي قلبك الأبيض حتي الصباحْ
ويقبض علي خصرك الذي يشبه
خاتم قدّيس
أنا منتشٍ هكذا
واسمكِ يمرّ كنسمة علي فم المغنّي
أريد أن أذهب إلي السوق
وأشتري من أجلك أرواب زينةٍ
وأضواء مبهرةٍ
يا أخت أبي استسلمي لذراعيَّ
فأنا أحبك حتي النهاية.
هذه أنثي علي الأرجح، يقول قاريء. دون ريب، قد يضيف قارئ آخر، متكئاً ـ ليس دون مسوّغات، في الواقع ــ علي معطيات بيّنة مثل تواتر ضمير المخاطب المؤنث، والشعر الأخضر، وأرواب الزينة، وأخت الأب. الشاعر، من جانبه، يخاطب كائناً أنثي بالفعل، ولكنها من نوع خاصّ يصعب أن يستدعيه البال من الخزين التصويري المألوف، ولعلّه يشقّ حتي علي ذلك البال المدرّب علي إطلاق العنان للمجاز: الشاعر يناجي أنثي بالفعل، ولكنها أنثي ـ نخلة!
السطور السابقة جزء من قصيدة النخلة ، وهي عيّنة أولي علي عدد كبير من طرائق التمثيل المجازي الخاصة التي تحفل بها مجموعة الشيطان في حقل التوت (1)، للشاعر المصري محمود
قرني. ثمة
هنا ما يشبه الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض، وليس بالضرورة ذاك الذي يتخلّق
جرّاء اشتغال حاسّة واحدة أو عدد من الحواسّ مجتمعة، حيث يُنتفي التوافق البصري
والدلالي المسبق علي مجازات النخلة، وتحلّ محلّه تنافرات أكثر منها توافقات! بيد
أنها من نوع محسوب، تلك التنافرات التي لا تبدو نافرة عن الموضوع الذي تجسّده إلا
في سطوح المعني المعطاة سلفاً، والمتعارف عليها في ترسانة التخييل الإنساني.
والحال أنّ ذلك الغوص إلي العميق لا يقتصر علي استعارات أخت الأب أو أرواب الزينة ، والتي تنتهك شروط التوافق المسبق لأنّ مساحة الدلالة، أياً كان اتساعها ورحابة موازينها، يندر أن تقدّم النخلة في مجاز العمّة أخت أب، أو تلك التي تُشتري لها أرواب الزينة. قرني لا يتوقف هنا، بل هو يهبط بالمعني ـ وبالأحري القول: يرتقي به ــ إلي مصافّ أخري ليست أقلّ تأهيباً للحسّ المحض القادم من، والذاهب إلي، فضاءات ليست البتة من النوع الذي نعرف. إنه يردّ اللغة إلي غرائزيتها البكر، إلي جذورها الأقلّ تماسّاً مع الذاكرة التمثيلية الناجزة الراسخة في الوعي، والأكثر تشابكاً مع الكامن والغامض والخام وغير المستكشَف.
في مواقع أخري من القصيدة ثمة غزل صريح مع النخلة ـ العشيقة هذه المرّة، يبلغ حدّ القول: سكب في قلبها حليب أصابعه/ وعندما هبط كان صدره المعطوب/ يعلو ويهبط في هياج/ كأنه فرغ للتوّ من مضاجعة طويلة ؛ وثمة زجّ للنخلة في خضمّ وقائع البشر وحكاياتهم وتواريخهم، حتي يلوح مراراً أنها ليست نخلة بأية حال، بل هي أكبر بكثير من مجرّد كائن نابض بالحياة وشاهد علي الحياة؛ وثمة، أخيراً، تلك البرهة الدرامية الكثيفة، التي يلتقطها قرني بإيجاز شديد البراعة، حين تصيبها صاعقة فلا تحترق فقط، بل تنقلب إلي ذكر: لبستْ بعدها ثوباً بنياً محروقاً/ وفقدت أنوثتها الطاغية/ هي الآن ذكر نخيل لا ينبس !
وهنالك قصيدة ثانية بديعة بعنوان كائنات صغيرة ، تسير علي منوال مماثل في ردّ اللغة إلي جذورها الغرائزية البكر، واعتماد نبرة إحيائية شاملة إزاء عنصر طبيعي آخر هو الزهرة هذه المرّة. نحن في الآن ذاته أمام طرائق أخري في الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض، لأنّ ساحة التصارع علي تقديم الزهرة ضمن مجازات مألوفة متناغمة وأخري مباغتة متنافرة هي ذاتها ساحة التصارع علي اللغة التي تنبش الحسّ أكثر من الإحساس، والخفيّ قبل الجليّ، والرؤية بعينين مفتوحتين أكثر من الرؤيا عن طريق الإغماض والاستيهام.
هذه زهرة شاردة، يقول قرني في مستهلّ القصيدة، ولكنها شربت أرتالاً من الطين والتراب ، ومع ذلك فإنها لا زالت تتعلّق بأسمائها القديمة . إنه، وكما فعل في استهلال الحديث عن النخلة في القصيدة السابقة، يغلق ألعاب التصوير عند فاتحة أولي حاسمة تدلّ علي أنّ الموصوف زهرة، ولكنها ليست شاردة فحسب، ولم تشرب أرتالاً (لاحظوا هذه الوحدة الحسابية المباغتة!) من الطين والتراب فحسب أيضاً، بل هي زهرة القناديل/ زهرة الأماسي الموجعةْ/ زهرة الحلم والمسرّةْ/ زهرة النزهات الإلهيةِ/ والقلوب العاشقةْ . أكثر من هذا، كأنّ قرني يدلّنا علي أوالية الإبصار الأولي (صانعة الحسّ قبل الإحساس...)، حين يقول عن هذه الزهرة اللبؤة بنت الشمس إنها تمضي بشراسة حجر/ وتنام بعينين مفتوحتين .
وثمة هنا أيضاً برهة درامية علي غرار ما يفعل قرني في النخلة ، إذْ أنّ الزهرة تنخرط في متتالية إثر متتالية من التحوّلات التي تردّها إلي صورة أمّها الشجرة، أو تخالف سحر الملاك النائم علي ثدي أمّه ليأكل ملكاته الصغيرات، أو تخالف نواميسها فتَطْلُع جذراً في حديد، أو تغادر عطرها... حتي تبلغ ذروة التحوّلات حين تتماهي مع ضمير المتكلّم ــ الذي لا نميّز كثيراً ما إذا كان بشراً أم نباتاً أم جماداً، والقصيدة لا تترك لنا باعثاً ذا مغزي كي نميّز في الواقع ــ فتصبح هي هو، وينقلب هو إليها، حيث الإحيائية هنا مجرّد حصيلة حسّية جبّارة وليست بحال رؤيا ميتافيزيقية عجائبية.
المثال الثالث هو قصيدة من أجل جزمته ، التي تبدو للوهلة الأولي وكأنها تدير حوارية بين الرجل و حذائه اللعين/ الذي اضطرّ لحمله تحت إبطه/ بعد أن أكل أصابعه العشرة ، وذلك طيلة ثلاثة أعوام من الضغينة قضاها الرجل في صمت. القصيدة، القصيرة نسبياً بالقياس إلي النخلة و كائنات صغيرة ، تكاد أن تعيد القاريء إلي الحكاية الشهيرة عن أبي القاسم الطنبوري وحذائه الذي لا يفارقه في جانب أوّل، وهي في جانب ثان تعتمد نبرة سردية وتروي ما يشبه الحكاية البسيطة التي
والحال أنّ ذلك الغوص إلي العميق لا يقتصر علي استعارات أخت الأب أو أرواب الزينة ، والتي تنتهك شروط التوافق المسبق لأنّ مساحة الدلالة، أياً كان اتساعها ورحابة موازينها، يندر أن تقدّم النخلة في مجاز العمّة أخت أب، أو تلك التي تُشتري لها أرواب الزينة. قرني لا يتوقف هنا، بل هو يهبط بالمعني ـ وبالأحري القول: يرتقي به ــ إلي مصافّ أخري ليست أقلّ تأهيباً للحسّ المحض القادم من، والذاهب إلي، فضاءات ليست البتة من النوع الذي نعرف. إنه يردّ اللغة إلي غرائزيتها البكر، إلي جذورها الأقلّ تماسّاً مع الذاكرة التمثيلية الناجزة الراسخة في الوعي، والأكثر تشابكاً مع الكامن والغامض والخام وغير المستكشَف.
في مواقع أخري من القصيدة ثمة غزل صريح مع النخلة ـ العشيقة هذه المرّة، يبلغ حدّ القول: سكب في قلبها حليب أصابعه/ وعندما هبط كان صدره المعطوب/ يعلو ويهبط في هياج/ كأنه فرغ للتوّ من مضاجعة طويلة ؛ وثمة زجّ للنخلة في خضمّ وقائع البشر وحكاياتهم وتواريخهم، حتي يلوح مراراً أنها ليست نخلة بأية حال، بل هي أكبر بكثير من مجرّد كائن نابض بالحياة وشاهد علي الحياة؛ وثمة، أخيراً، تلك البرهة الدرامية الكثيفة، التي يلتقطها قرني بإيجاز شديد البراعة، حين تصيبها صاعقة فلا تحترق فقط، بل تنقلب إلي ذكر: لبستْ بعدها ثوباً بنياً محروقاً/ وفقدت أنوثتها الطاغية/ هي الآن ذكر نخيل لا ينبس !
وهنالك قصيدة ثانية بديعة بعنوان كائنات صغيرة ، تسير علي منوال مماثل في ردّ اللغة إلي جذورها الغرائزية البكر، واعتماد نبرة إحيائية شاملة إزاء عنصر طبيعي آخر هو الزهرة هذه المرّة. نحن في الآن ذاته أمام طرائق أخري في الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض، لأنّ ساحة التصارع علي تقديم الزهرة ضمن مجازات مألوفة متناغمة وأخري مباغتة متنافرة هي ذاتها ساحة التصارع علي اللغة التي تنبش الحسّ أكثر من الإحساس، والخفيّ قبل الجليّ، والرؤية بعينين مفتوحتين أكثر من الرؤيا عن طريق الإغماض والاستيهام.
هذه زهرة شاردة، يقول قرني في مستهلّ القصيدة، ولكنها شربت أرتالاً من الطين والتراب ، ومع ذلك فإنها لا زالت تتعلّق بأسمائها القديمة . إنه، وكما فعل في استهلال الحديث عن النخلة في القصيدة السابقة، يغلق ألعاب التصوير عند فاتحة أولي حاسمة تدلّ علي أنّ الموصوف زهرة، ولكنها ليست شاردة فحسب، ولم تشرب أرتالاً (لاحظوا هذه الوحدة الحسابية المباغتة!) من الطين والتراب فحسب أيضاً، بل هي زهرة القناديل/ زهرة الأماسي الموجعةْ/ زهرة الحلم والمسرّةْ/ زهرة النزهات الإلهيةِ/ والقلوب العاشقةْ . أكثر من هذا، كأنّ قرني يدلّنا علي أوالية الإبصار الأولي (صانعة الحسّ قبل الإحساس...)، حين يقول عن هذه الزهرة اللبؤة بنت الشمس إنها تمضي بشراسة حجر/ وتنام بعينين مفتوحتين .
وثمة هنا أيضاً برهة درامية علي غرار ما يفعل قرني في النخلة ، إذْ أنّ الزهرة تنخرط في متتالية إثر متتالية من التحوّلات التي تردّها إلي صورة أمّها الشجرة، أو تخالف سحر الملاك النائم علي ثدي أمّه ليأكل ملكاته الصغيرات، أو تخالف نواميسها فتَطْلُع جذراً في حديد، أو تغادر عطرها... حتي تبلغ ذروة التحوّلات حين تتماهي مع ضمير المتكلّم ــ الذي لا نميّز كثيراً ما إذا كان بشراً أم نباتاً أم جماداً، والقصيدة لا تترك لنا باعثاً ذا مغزي كي نميّز في الواقع ــ فتصبح هي هو، وينقلب هو إليها، حيث الإحيائية هنا مجرّد حصيلة حسّية جبّارة وليست بحال رؤيا ميتافيزيقية عجائبية.
المثال الثالث هو قصيدة من أجل جزمته ، التي تبدو للوهلة الأولي وكأنها تدير حوارية بين الرجل و حذائه اللعين/ الذي اضطرّ لحمله تحت إبطه/ بعد أن أكل أصابعه العشرة ، وذلك طيلة ثلاثة أعوام من الضغينة قضاها الرجل في صمت. القصيدة، القصيرة نسبياً بالقياس إلي النخلة و كائنات صغيرة ، تكاد أن تعيد القاريء إلي الحكاية الشهيرة عن أبي القاسم الطنبوري وحذائه الذي لا يفارقه في جانب أوّل، وهي في جانب ثان تعتمد نبرة سردية وتروي ما يشبه الحكاية البسيطة التي
تنتهي إلي
موت الرجل وهو يتوسّد حذاءه. وهي، في سطوح المعني المباشر، أشبه بالأمثولة
الواقعية التي يصعب أن تحمل أوزار ما يريده قرني من نصّه الشعري إجمالاً، أي الغوص
بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض.
والحال أنّ القصيدة تفعل ذلك، بطرائق مختلفة عن سابقتيها، حين ينجح قرني في اقتيادنا إلي منطقة في التخييل تقليدية ومطروقة هي مزج الواقعيّ بالخيالي، ولكن ليس دون شحن أجواء الواقعيّ بعناصر عالية المجاز ومفتوحة الإيحاء (كما في الحديث عن حذاء يتوجب أن يفقد الذاكرة، أو أمّ تخترق منافذ الهواء بنعلها، أو موت يغافل كنسيج هفهاف، أو روح تصعد كما تمرّ شوكة في حرير، أو إنسان يدخل النار من أجل جزمة...)، وليس دون أن تُجرّ العناصر هذه إياها إلي سياقات حسّية ذات منعكسات ملموسة صارخة. كذلك لا يغفل قرني رياضته الأثيرة في جعل اللغة تتقلّب وتنقلب بين الدلالة الصريحة والدلالة المبطنة، وستولد علاقاتها المتبدّلة في الساحة ذاتها التي تشهد التصارع علي بناء المعني المجازي العالي إسوة بالخطوط الحكائية البسيطة في شبكة العلاقات الخاصة هذه، بين الرجل والحذاء.
مثال رابع يتجلي في قصيدة أخري بديعة هي إبراهيم الصحاري ، حيث يلجأ قرني إلي استراتيجيات الغوص العميق ذاتها ولكن عبر بناء شخصية إنسانية شبه روائية وشبه تسجيلية، غائمة الملامح وفردية معرّفة في آن معاً، قبل أن يُلقي بنا ــ عبرها، واعتماداً علي تعدّد وجوهها ــ في ساحة اصطراع وتصارع المعني بين المجاز المعطي الذي نبصره وندركه، والمجاز الغائب الذي يتوجّب اقتفاء أثره. ثمة في القصيدة، سوي شخصية ابراهيم الصحاري ذاتها، شبكة عجيبة تضع أنكيدو وجلجامش وأوروك في الحقل الدلالي ـ وربما الرمزي السياسي ـ لأمثال تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وسيبل وألكساندرا وسيبيريا... في سياقات محلية ومصرية لا تخفي!
وثمة جدل خاصّ في انكشاف هذه الشبكة، حيث القاسم المشترك فيها إبراهيم نفسه، ثمّ مَن وما يقف خلفه: خلف تروتسكي إبراهيم، وخلف إبراهيم الماضي، وخلف الماضي إمرأة لا يبوح باسمها، وخلفها الموت... حتي أنّ الحلقة لا تبدو وقد فُتحت لكي تُغلق عند كلّ شخص/ رمز أو شخص/ دلالة، أو كأنّ فضيلة هذا التوالد هي أنّه يشرّد المعني بعيداً عن ترجيحاته الشائعة. أهمية هذه القصيدة أنها بالفعل تعتمد الآدميّ استعارة مفتوحة علي غرار استعارة النخلة والزهرة، ولكنها تخضعه لسيرورات إحيائية معاكسة إذا صحّ القول: إنه بشر من لحم ودمّ، ولكن الشبكة التي تزجّه فيها القصيدة تحيله إلي مجاز عائم، غنيّ ومتشابك ومتراكب وأخّاذ. القصيدة هي التي تولّت صناعته، والقصيدة هي التي تتولي خلاصه:
يا رفاقي
تذكّروا السفينة الجميلة
التي استقلّها الموت
إلي الفيضان
فنجا وحده
وعاش من أجلنا
إنه يسكن الكثير من خطواتنا
يسكن في سراديب سرّية لا يعلمها إلا مَن رآه
خلف إبراهيم
يجلس الموت
وسوف أكتب
قصيدة جديدة
عن صراعهما غير المتكافئ
الطرائق السابقة، وسواها كثير كما ينبغي القول ببهجة خاصة، تنطوي علي مجازفة تعبيرية ليس الفاصل فيها بين المعني واللامعني، وبين المجاز واللغو، إلا ذلك الخيط الواهي الرفيع غير المرئي. وهكذا فإنّ ما نلذّ له حين نتوافق مع توافقات قرني التي تنتهك خزين مخيّلتنا المألوفة، يضعنا في الآن ذاته إزاء مشاقّ استقبال عدد آخر من تمثيلاته التصويرية، دَعْ جانباً احتمال فشلنا في تفكيك
والحال أنّ القصيدة تفعل ذلك، بطرائق مختلفة عن سابقتيها، حين ينجح قرني في اقتيادنا إلي منطقة في التخييل تقليدية ومطروقة هي مزج الواقعيّ بالخيالي، ولكن ليس دون شحن أجواء الواقعيّ بعناصر عالية المجاز ومفتوحة الإيحاء (كما في الحديث عن حذاء يتوجب أن يفقد الذاكرة، أو أمّ تخترق منافذ الهواء بنعلها، أو موت يغافل كنسيج هفهاف، أو روح تصعد كما تمرّ شوكة في حرير، أو إنسان يدخل النار من أجل جزمة...)، وليس دون أن تُجرّ العناصر هذه إياها إلي سياقات حسّية ذات منعكسات ملموسة صارخة. كذلك لا يغفل قرني رياضته الأثيرة في جعل اللغة تتقلّب وتنقلب بين الدلالة الصريحة والدلالة المبطنة، وستولد علاقاتها المتبدّلة في الساحة ذاتها التي تشهد التصارع علي بناء المعني المجازي العالي إسوة بالخطوط الحكائية البسيطة في شبكة العلاقات الخاصة هذه، بين الرجل والحذاء.
مثال رابع يتجلي في قصيدة أخري بديعة هي إبراهيم الصحاري ، حيث يلجأ قرني إلي استراتيجيات الغوص العميق ذاتها ولكن عبر بناء شخصية إنسانية شبه روائية وشبه تسجيلية، غائمة الملامح وفردية معرّفة في آن معاً، قبل أن يُلقي بنا ــ عبرها، واعتماداً علي تعدّد وجوهها ــ في ساحة اصطراع وتصارع المعني بين المجاز المعطي الذي نبصره وندركه، والمجاز الغائب الذي يتوجّب اقتفاء أثره. ثمة في القصيدة، سوي شخصية ابراهيم الصحاري ذاتها، شبكة عجيبة تضع أنكيدو وجلجامش وأوروك في الحقل الدلالي ـ وربما الرمزي السياسي ـ لأمثال تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وسيبل وألكساندرا وسيبيريا... في سياقات محلية ومصرية لا تخفي!
وثمة جدل خاصّ في انكشاف هذه الشبكة، حيث القاسم المشترك فيها إبراهيم نفسه، ثمّ مَن وما يقف خلفه: خلف تروتسكي إبراهيم، وخلف إبراهيم الماضي، وخلف الماضي إمرأة لا يبوح باسمها، وخلفها الموت... حتي أنّ الحلقة لا تبدو وقد فُتحت لكي تُغلق عند كلّ شخص/ رمز أو شخص/ دلالة، أو كأنّ فضيلة هذا التوالد هي أنّه يشرّد المعني بعيداً عن ترجيحاته الشائعة. أهمية هذه القصيدة أنها بالفعل تعتمد الآدميّ استعارة مفتوحة علي غرار استعارة النخلة والزهرة، ولكنها تخضعه لسيرورات إحيائية معاكسة إذا صحّ القول: إنه بشر من لحم ودمّ، ولكن الشبكة التي تزجّه فيها القصيدة تحيله إلي مجاز عائم، غنيّ ومتشابك ومتراكب وأخّاذ. القصيدة هي التي تولّت صناعته، والقصيدة هي التي تتولي خلاصه:
يا رفاقي
تذكّروا السفينة الجميلة
التي استقلّها الموت
إلي الفيضان
فنجا وحده
وعاش من أجلنا
إنه يسكن الكثير من خطواتنا
يسكن في سراديب سرّية لا يعلمها إلا مَن رآه
خلف إبراهيم
يجلس الموت
وسوف أكتب
قصيدة جديدة
عن صراعهما غير المتكافئ
الطرائق السابقة، وسواها كثير كما ينبغي القول ببهجة خاصة، تنطوي علي مجازفة تعبيرية ليس الفاصل فيها بين المعني واللامعني، وبين المجاز واللغو، إلا ذلك الخيط الواهي الرفيع غير المرئي. وهكذا فإنّ ما نلذّ له حين نتوافق مع توافقات قرني التي تنتهك خزين مخيّلتنا المألوفة، يضعنا في الآن ذاته إزاء مشاقّ استقبال عدد آخر من تمثيلاته التصويرية، دَعْ جانباً احتمال فشلنا في تفكيك
عناصرها
وعجزنا بالتالي عن حُسْن تثمينها. إنه، مثلاً، يطلب من الحمّي أن تتمهل حتي يلقي
نظرة أخيرة علي خيبته، هذه التي ذبحتني بين جحيم وجحيم/ وأضحكت منّي خرافاً صغيرة/
هي في الأصل نهودٌ مُغيْرة . وليس من اليسير، بل هي رياضة شاقّة للغاية في الواقع،
أن تتفاعل أية مخيّلة، أياً كان مقدار نشاطها وتحرّرها من المعطيات المألوفة، أن
تقيم الرباط التصويري الذي يريده الشاعر بين الخراف والنهود.
مثل هذا أيضاً قوله: للشيخوخة التي حوّلت فمي/ إلي ساحة يتشاجر فيها الأحفاد ؛ وكذلك حديثه عن أميرة تشبه برج كنيسة/ يحاول دائماً أن يغادر المحراب ؛ أو، أخيراً، قوله: يقرص معونة الشتاء في أذنها/ قبل أن يسمّيها عبث الآلهة . غير أنّ هذه ضريبة مستحقة علي القارئ، لقاء ما يوفّره قرني من مباهج تصويرية فاتنة حقاً:
ـ بحيرة من الصراخ والعويل ؛
ـ أدلق جردلاً من السبرتو/ علي مدن هؤلاء الحمقي/ وبعود ثقاب يمكنني إنهاء المسألة ؛
ـ ستعودين ـ قطعاً ـ إلي عرض البحر/ وبفضل التكنولوجيا التي تقدّسينها/ ربما تحوّلتِ إلي بارجة ؛
ـ كانت رؤوماً كإبنة بارّة/ ونحيفة كأكاليل الغار ؛
ـ كان أبوه قد ألقي به/ كنرد في خلاء ؛
ـ تمضي بشراسة حجر ، هذه الصبية التي تدمّر حقلاً/ بشارة إصبع/ ثمّ تملأ الأباريق/ بدموعها... ؛
ـ ويكسرون زلّة لساني/ بكلام أفهمُ قليله/ وأترك بقاياه علي أقرب قارعة ؛
ـ آثرتُ الصمت/ وربطتُ لساني في عربة يدٍ صغيرة/ مات طفلُها ؛
ـ كانت طرية هادئة/ تطفو بسهولة كأنبوب في غدير ؛
ـ قالت له: يا بنيّ كُنْ هبة موشومة بالمحبة/ فكان غاراً عملاقاً لفأر في متاهة ؛
ـ كان أمام البيت يرمق جدّته/ وينزع مسمارين دقّهما الفقر/ في عينيها ؛
ـ المهمّ أن نبحث عن الجرادة/ التي اختبأت قروناً في قلب الوردة/ وتجمدت معها في ثلج سيبريا ؛
ـ كانتا كنهارين شاسعين/ اخترَقَهما مساءٌ ...
والمجموعة تضمّ عشر قصائد متفاوتة الحجم، أقصرها باب الأكاذيب التي تقع في 30 سطراً، وأطولها إحدي وعشرون طلقة علي روحه التي تزيد عن 330 سطراً. الدلالة الخاصة في هذا التفصيل هي طبيعة الضغوط التي يمكن أن يمارسها الحجم علي شكل القصيدة من جانب أوّل، وعلي موضوعاتها من جانب ثان. فالقصيدة القصيرة والمتوسطة تبدو أقرب إلي الغنائية والإنشاد وبناء اللقطة الخاطفة وإحكام الإيقاع، كما في هذا المثال من قصيدة ميدوزا :
أيّ شاطئ سيأخذني اليومَ
إلي المياه الدافئةْ؟
وأيّ الضحايا ستبكيها المفازة
التي ملأناها بالسعادينْ
أهي الأوجاع التي ذابتْ في عروق أصابعنا
أهو الضباب الذي جعل الغزالة تخطيء قاتلها
أم هي أوراق الأشجار التي حملتها المياه
العميقة إلي الغائبين
هذه الأشياء العابرة التي لا أعرف شيئاً
عن مصيرها تقطع الطريق جيئة وذهاباً
إنها الأغنيات الضالة
التي تركت العنان لأميرة
تتحدّث عن الحبّ أمام رجل ميت...
والقصيدة الطويلة تميل إلي النَفَس الملحمي والمسح البانورامي والسرد واستحضار التاريخ والتقطيع إلي أجزاء. قصيدة إحدي وعشرون طلقة علي روحه تنقسم إلي أربعة أجزاء، ولا ريب في أنّ قرني بذل جهداً مضنياً كي يُبقي هذه الأجزاء مترابطة في الحدّ الأدني، ليس بمعني افتعال وحدة عضوية للقصيدة، بل وصولاً إلي تلك الحال المدهشة من تعدّد الأصوات والضمائر والنبرة
مثل هذا أيضاً قوله: للشيخوخة التي حوّلت فمي/ إلي ساحة يتشاجر فيها الأحفاد ؛ وكذلك حديثه عن أميرة تشبه برج كنيسة/ يحاول دائماً أن يغادر المحراب ؛ أو، أخيراً، قوله: يقرص معونة الشتاء في أذنها/ قبل أن يسمّيها عبث الآلهة . غير أنّ هذه ضريبة مستحقة علي القارئ، لقاء ما يوفّره قرني من مباهج تصويرية فاتنة حقاً:
ـ بحيرة من الصراخ والعويل ؛
ـ أدلق جردلاً من السبرتو/ علي مدن هؤلاء الحمقي/ وبعود ثقاب يمكنني إنهاء المسألة ؛
ـ ستعودين ـ قطعاً ـ إلي عرض البحر/ وبفضل التكنولوجيا التي تقدّسينها/ ربما تحوّلتِ إلي بارجة ؛
ـ كانت رؤوماً كإبنة بارّة/ ونحيفة كأكاليل الغار ؛
ـ كان أبوه قد ألقي به/ كنرد في خلاء ؛
ـ تمضي بشراسة حجر ، هذه الصبية التي تدمّر حقلاً/ بشارة إصبع/ ثمّ تملأ الأباريق/ بدموعها... ؛
ـ ويكسرون زلّة لساني/ بكلام أفهمُ قليله/ وأترك بقاياه علي أقرب قارعة ؛
ـ آثرتُ الصمت/ وربطتُ لساني في عربة يدٍ صغيرة/ مات طفلُها ؛
ـ كانت طرية هادئة/ تطفو بسهولة كأنبوب في غدير ؛
ـ قالت له: يا بنيّ كُنْ هبة موشومة بالمحبة/ فكان غاراً عملاقاً لفأر في متاهة ؛
ـ كان أمام البيت يرمق جدّته/ وينزع مسمارين دقّهما الفقر/ في عينيها ؛
ـ المهمّ أن نبحث عن الجرادة/ التي اختبأت قروناً في قلب الوردة/ وتجمدت معها في ثلج سيبريا ؛
ـ كانتا كنهارين شاسعين/ اخترَقَهما مساءٌ ...
والمجموعة تضمّ عشر قصائد متفاوتة الحجم، أقصرها باب الأكاذيب التي تقع في 30 سطراً، وأطولها إحدي وعشرون طلقة علي روحه التي تزيد عن 330 سطراً. الدلالة الخاصة في هذا التفصيل هي طبيعة الضغوط التي يمكن أن يمارسها الحجم علي شكل القصيدة من جانب أوّل، وعلي موضوعاتها من جانب ثان. فالقصيدة القصيرة والمتوسطة تبدو أقرب إلي الغنائية والإنشاد وبناء اللقطة الخاطفة وإحكام الإيقاع، كما في هذا المثال من قصيدة ميدوزا :
أيّ شاطئ سيأخذني اليومَ
إلي المياه الدافئةْ؟
وأيّ الضحايا ستبكيها المفازة
التي ملأناها بالسعادينْ
أهي الأوجاع التي ذابتْ في عروق أصابعنا
أهو الضباب الذي جعل الغزالة تخطيء قاتلها
أم هي أوراق الأشجار التي حملتها المياه
العميقة إلي الغائبين
هذه الأشياء العابرة التي لا أعرف شيئاً
عن مصيرها تقطع الطريق جيئة وذهاباً
إنها الأغنيات الضالة
التي تركت العنان لأميرة
تتحدّث عن الحبّ أمام رجل ميت...
والقصيدة الطويلة تميل إلي النَفَس الملحمي والمسح البانورامي والسرد واستحضار التاريخ والتقطيع إلي أجزاء. قصيدة إحدي وعشرون طلقة علي روحه تنقسم إلي أربعة أجزاء، ولا ريب في أنّ قرني بذل جهداً مضنياً كي يُبقي هذه الأجزاء مترابطة في الحدّ الأدني، ليس بمعني افتعال وحدة عضوية للقصيدة، بل وصولاً إلي تلك الحال المدهشة من تعدّد الأصوات والضمائر والنبرة
والتشكيلات
الإيقاعية. وفي القصيدة الكثير من عناصر السيرة الذاتية كما يلوح جليّاً، حول
الذات والأب والأمّ وزوجة الأمّ والجدّ؛ وفيها استجماع مَزْجي لتجليات الخير
والشرّ والحياة والموت والحاضر والماضي، حيث تُتاح الفرصة كي تتسلل غنائية شفيفة
هنا وهناك، أو وقفة رثائية، أو ترتيل يمزج الغزل بالصلاة؛ وفيها عمارة للموضوعات
ذات طابع تشكيلي وتعاقبي: فاتحة بضمير المتكلم عن الخيبة والحبّ، ثمّ تنويع
للضمائر والشخوص والعناصر، بينها الماضي الشخصي والسيرة والحرب والتاريخ، ونقلة
إلي المدينة وبوّابات العالم الواسع والجدّ والجدّة والحرب من جديد، واختتام
بالعودة ثانية إلي عنصر الاستهلال والحبّ والحبيبة...
وتبقي إشارة إلي أمرين هامّين في سيرة محمود قرني الأسلوبية:
الأوّل أنه بدأ بقصيدة العمود؛ ثمّ انتقل إلي قصيدة التفعيلة بين سنوات 1985 ـ 1990، ومجموعته خيول علي قطيفة البيت (2) تضمّ بدورها عشر قصائد في هذا الشكل؛ قبل أن يستقرّ نهائياً علي قصيدة النثر في مجموعاته اللاحقة. وقاريء قصائد التفعيلة تلك يلمس بوضوح تمرّس قرني النسبي في هذا الشكل، وهذا يفسّر استجابته الملحوظة لإغواء الإيقاع والتشكيلات الإيقاعية في ما سيكتب بعدئذ من شعر في شكل قصيدة النثر.
الأمر الثاني أنه، في بدء حياته الشعرية، كان شديد التأثّر بشعر محمد عفيفي مطر، خصوصاً مجموعته الشهيرة الفارقة ملامح الوجه الأنبادوقليسي ، وهذا بدوره يفسّر ذلك المزيج الخاصّ من حشد النبرة الفلسفية وميتافيريقا المكان والأسطورة، واستعادة المشهدية الرعوية ومناخات القرية المصرية والريفية إجمالاً. لكنّ حال قرني مع عفيفي مطر لم تختلف عن حاله مع قصيدة التفعيلة، لأنه سرعان ما تحرّر من ذلك التأثير (الذي، في قناعتي، لم يكن طاغياً علي أية حال) فاستجمع صوته الشخصي، وأخذت مجموعاته تراكم نبرة متميّزة تلو أخري، بحيث أننا نقرأ اليوم واحداً من أنضج شعراء مصر المعاصرين، وأكثرهم انفراداً في الموضوعات والأسلوبية والأدوات.
ناقد من سورية يقيم في باريس
إشارات:
(1) محمود قرني: الشيطان في حقل التوت . ميريت، القاهرة 2004. 117 صفحة.
(2) صدرت خيول علي قطيفة البيت ، التي تضمّ قصائد التفعيلة، سنة 1998 بعد مجموعتَي حمّامات الإنشاد ، 1996، و هواء لشجرات العام ، 1998، حيث استقرّ قرني علي خيار قصيدة النثر نهائياً. المجموعة الرابعة طرق طيبة للحفاة صدرت سنة 2000.
وتبقي إشارة إلي أمرين هامّين في سيرة محمود قرني الأسلوبية:
الأوّل أنه بدأ بقصيدة العمود؛ ثمّ انتقل إلي قصيدة التفعيلة بين سنوات 1985 ـ 1990، ومجموعته خيول علي قطيفة البيت (2) تضمّ بدورها عشر قصائد في هذا الشكل؛ قبل أن يستقرّ نهائياً علي قصيدة النثر في مجموعاته اللاحقة. وقاريء قصائد التفعيلة تلك يلمس بوضوح تمرّس قرني النسبي في هذا الشكل، وهذا يفسّر استجابته الملحوظة لإغواء الإيقاع والتشكيلات الإيقاعية في ما سيكتب بعدئذ من شعر في شكل قصيدة النثر.
الأمر الثاني أنه، في بدء حياته الشعرية، كان شديد التأثّر بشعر محمد عفيفي مطر، خصوصاً مجموعته الشهيرة الفارقة ملامح الوجه الأنبادوقليسي ، وهذا بدوره يفسّر ذلك المزيج الخاصّ من حشد النبرة الفلسفية وميتافيريقا المكان والأسطورة، واستعادة المشهدية الرعوية ومناخات القرية المصرية والريفية إجمالاً. لكنّ حال قرني مع عفيفي مطر لم تختلف عن حاله مع قصيدة التفعيلة، لأنه سرعان ما تحرّر من ذلك التأثير (الذي، في قناعتي، لم يكن طاغياً علي أية حال) فاستجمع صوته الشخصي، وأخذت مجموعاته تراكم نبرة متميّزة تلو أخري، بحيث أننا نقرأ اليوم واحداً من أنضج شعراء مصر المعاصرين، وأكثرهم انفراداً في الموضوعات والأسلوبية والأدوات.
ناقد من سورية يقيم في باريس
إشارات:
(1) محمود قرني: الشيطان في حقل التوت . ميريت، القاهرة 2004. 117 صفحة.
(2) صدرت خيول علي قطيفة البيت ، التي تضمّ قصائد التفعيلة، سنة 1998 بعد مجموعتَي حمّامات الإنشاد ، 1996، و هواء لشجرات العام ، 1998، حيث استقرّ قرني علي خيار قصيدة النثر نهائياً. المجموعة الرابعة طرق طيبة للحفاة صدرت سنة 2000.
قصة مؤثرة عن الرزق
Posted by غير معرف | الخميس، 13 يونيو 2013 | Posted in قصة
رجل يرعى أمه و زوجته و ذريته ، وكان يعمل خادماً لدى أحدهم ،
مخلصاً في عمله ويؤديه على أكمل وجه ، إلا أنه ذات يوم تغيب عن العمل ..
فقال سيده في نفسه :
" لابد أن أعطيه ديناراً زيادة حتى لا يتغيب عن العمل
فبالتأكيد لم يغيب إلا طمعاً في زيادة راتبه "
وبالفعل حين حضر ثاني يوم أعطاه راتبه و زاد عليه الدينار ..
لم يتكلم العامل و لم يسأل سيده ..
عن سبب الزيادة ،
وبعد فترة غاب العامل مرة أخرى ، فغضب سيده غضباً شديداً وقال :
" سأنقص الدينار الذي زدته. "
و أنقصه .. و لم يتكلم العامل و لم يسأله ..
فاستغرب سيده مِنْ ردة فعله ، فقال له :
زدتك لم تتكلم ، و انقصتك و لم تتكلم .
فقال العامل : عندما غبت المرة الأولى رزقني الله مولوداً ..
ولذلك غبت فحين كافأتني بالزيادة ، قلت هذا رزق مولودي قد جاء معه ،
و حين غبت المرة الثانية ماتت أمي ،
و عندما أنقصت الدينار قلت هذا رزقها قد ذهب بذهابها .
ما أجملها مِنْ أرواح تقنع و ترضى بما وهبها إياه الرحمن ،
و تترفع عن نسب ما يأتيها مِنْ زيادة في الرزق أو نقصان إلى الإنسان .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك و اغننا بفضلك عمن سواك
















