Headlines

أين الحقيقة؟ هوامش على خبر ليس بريئا!! | فراس حج محمد

Posted by غير معرف | الاثنين، 20 يناير 2014 | Posted in ,

أين الحقيقة؟
هوامش على خبر ليس بريئا!!


فراس حج محمد


تحدثت بعض الأخبار عن كتاب "قطر هذا الصديق الذي يريد بنا شرا" لصحفييْن فرنسيين مشهورين بإعداد التقارير العميقة، وهما "نيكولا بو، وجاك ماري بورجيه" ويبينان فيه أن "الجزيرة" مؤامرة أمريكية - صهيونية، و"الربيع العربي" مؤامرة أمريكية، و"الثورة التونسية" تدار من أمريكا، فهي مؤامرة، و"إدارة الإنترنت" بأيدي عربية عمالة لأمريكا، و"القرضاوي" عميل أمريكي!! و"الحرب على سوريا" مؤامرة!! وهلمّ جرا، والأمر لا يقتصر على هذا الكتاب بل إننا غدونا لا ترى ولا تسمع إلا أصداء المؤامرات هنا وهناك!
إذا كان كل تلك المؤامرات مؤمرات فعلا، فأقول: إن المخفي أعظم، وقد يكون هذا الكتاب الذي يتحدث عن هذا الكم الهائل من المؤامرات هو الآخر جزء من المؤامرة، على قاعدة الثورة والثورة المضادة، والمؤامرة والمؤامرة المضادة والإعلام والإعلام المضاد، والكل يخوّن في الكلّ، وضاعت الحقيقة، وغدت في الباي باي!!
لعلها هي قطع الليل المظلم، أصبحنا نكفر بكلّ شيء، ونكفّر كل شيء، لا نرى الواقع إلا واقعا في حمأة الهزيمة والمؤامرات، استسهلنا هذا المنطق، واقتنعنا أننا مستهدفون، فهل نحن فعلا كذلك؟ وإذا كنا كذلك أما آن لنا أن نصحو أم أننا ما زلنا تحت تأثير التخدير وجرعته التي أفقدتنا الوعي والشعور والتفكير السليم.
عالم من المؤمرات، يضجّ بكل شيء إلا الوضوح فهو الغائب الأوحد، وضلالنا هو الحاضر المؤكد، والعالم على كفّ عفريت، وندعي أننا في القرن الحادي والعشرين، ونتباهي بأفكارنا المستنيرة!
تبا لك أيتها المؤامرة! إياك أن تكوني تحوكين نسخة جاهزة لأكون واحدة من تلك المؤامرات على هذا البلد الطيب أهله أو ذاك، لقد أصبحتُ أخشى كل شيء حتى حروفي المهملات، وصرت أفكر جديا بوضعها في سلة للمهملات، وأستبدل برأسي وما حوى قطعة حجرية مهملة على قارعة طريق خال من وجع القلب!!

  

قصة ملتقط الأحلام في أرض الخراب!! قراءة في قصة "ما بقي ..."/ للكاتبة شروق حجاوي فراس حج محمد/ فلسطين

Posted by غير معرف | السبت، 18 يناير 2014 | Posted in ,


قصة ملتقط الأحلام في أرض الخراب!!
قراءة في قصة "ما بقي ..."/ للكاتبة شروق حجاوي
فراس حج محمد/ فلسطين

ما بقي...

يحمل صندوقه... يسير بين الممددين على أرض المخيم... يلتقط أحلامهم ويضعها في الصندوق... يحكم غطاءه... يستمر في عمله بلا كلل!!

تشكل هذه القصة القصيرة جدا وخزة للضمير الإنساني، وليست مجرد وخزة، إنها وخزة حادة جدا، تهز المشاعر وتستوقف كلّ ما من شأنه أن يحسّ بعذابات المعذبين والبؤساء، إن مثل هذه الالتقاطات البديعة من عوالم السياسية وبهذه الكيفية الجارحة، تستدعي من القارئ أن ينحني إجلالا وإكبارا!
والآن، هيا بنا نخفف وطأة النص العاطفية بالتحليل النقدي، لعلنا نستبطن الوجع، ونضيف آلامه على مختبر أوجاعنا الإنسانية في زمن فقدت فيه الإنسانية ملامحها أو كادت، لولا رحمة من الله تجلت في ضمائر المفكرين والأدباء، ومنهم بطبيعة الحال كاتبة هذه القصة القصيرة جدا الكاتبة شروق حجاوي.
هكذا بدأ النص بالعنوان "ما بقي..."، فهل كانت الكاتبة تسأل أم كانت تقرر واقعا مشاهدا؟ وما هذه النقاط المتتابعة بعد العنوان، هل كانت نزف دماء أم حبات عرق حيرى تبحث عن يد لتمسحها؟ هل كانت هذه النقاط وشاية بطريق مفتوح على وجع لا ينتهي؟ لقد ساهم هذا العنوان بإثارة التساؤل أو بقلق البحث عن منتهى الطلب في هذا النص، ولذلك يعدّ العنوان في النص، أي نصّ، ومنه هذا النص إستراتيجية تساهم في المعمار الفني، ولذلك يجب أن يكون بارعا ودالا، وقد كان أيضا هذا العنوان مخاتلا ومراوغا كذلك، مع ضرورة الإشارة إلى تناص العنوان والموضوع أيضا مع رواية غسان كنفاني "ما تبقى لكم"!!
تبين هذه القصة القصيرة جدا عبر ظرفيها الزماني والمكاني ما تبقى لنا/ لكم/ لهم/ له من أمر هذه الحياة، وماذا تبقى يا ترى؟ إنها بعض أحلام منزوعة من بين واقع سيء غاية في السوء، وترسم اللغة هذا الواقع، إنه مخيم مليء بالجثث، وشخص في ظل هذا الواقع الأسود المعبأ بالدخان يحمل صندوقا ويلملم فيه أحلاما!! يا لله!! أحلام! أية قسوة هذه، ليلم الشخص أحلاما من بين الجثث في أرض مخيم ينزف وجعا ودما مقدسا، إن الصورة مشهدية جارحة وصادمة، تستفز المخيلة، وتستنزف الروح، ويبدي هذا الشخص قوة لا تعرف الوهن، إنه حريص على تلك الأحلام، لا يريد لها أن تتبخر أو تضيع، يلم قامتها من بين الجرح، ويضعها في الصندوق ويحكم عليها الغطاء، إنه جو من السوريالية المتشحة بضاب الباحثين عن وهم، ولكنها تشكل مع ذلك رؤيا لا تخلو من نور الأمل.
وتظهر قوة البطل في حقيقة الأمر في النص من جهتين؛ الأولى القوة النفسية التي جعلته قادرا على التجول بين ركام الدم المسفوح في مخيم بائس، ويبحث عن بعض ما تبقى من أحلام، والثانية القوة الجسمية، فهو لا يتعب، ويعمل من دون كلل أو ملل، ومن هنا نجحت القصة القصيرة جدا برسم البعدين لشخصية البطل العظيم، وهو بطل في الحقيقة، وليس في النص السردي وحسب!!
قد يرى البعض في هذا الشخص عدوا يصطاد أحلام الضحايا، ويصادرها، ولكن علينا أن نرى ما لا يراه الآخرون، انبعاثا للأمل، واستشرافا لمستقبل أكثر إشراقا.
كانت هذه القصة القصيرة جدا ناجحة في بنائها الفني وتوترها النفسي، وصياغة جملتها الفعلية، لتشكل ملمحا خاصا ودالا، تكثف الحدث لأقصى ما يمكن ليسهل علينا ابتلاع الطعم، لنشعر بقسوة الحياة في مخيمات البؤس والشقاء، قصة كتب عنها الأستاذ فؤاد نصر الدين الروائي المصريّ المعروف يقول: "يا لها من صورة فنية أتخيلها كأني فى حلم من ضمن تلك الأحلام التى جمعها ذلك الصبى أو المجهول، ووضعها فى صندوقه، إنها قصة ملتقط الأحلام".
نادرا ما نحصل على هذا الألم بصورة أدب مؤثر، دام الإبداع يا سيدة القلم المنير.

   

للجمال وجوه متعددة كذلك! | فراس حج محمد

Posted by غير معرف | الخميس، 9 يناير 2014 | Posted in ,

للجمال وجوه متعددة كذلك!
فراس حج محمد


ليست الحياة بقدر ما تلتقي الشخوص والأبدان، بل بقدر ما نحبّ ونعطي بإخلاص ووفاء، ونحفظ ونصون العهود، ولا ننسى الفضل بيننا، فالحياة جمال، وجمالها علاقاتها الروحية الطيبة، جمالها كلمة حبّ ينطق بها القلب وتغرّد بها الأرواح، جمالها زهرة مهداة بابتسامة صافية، بعناق شجرة تقدم أثمارها للكسالى قبل النشيطين والزارعين.
الجمال هو الرضا بأنك حيّ ترزق ترعاك العين الإلهية وتحرسك الملائكة، ويحتويك الكون بأنساغه ودقائقه لتكون خلية جمال متناغمة تسبح بحمد الله، وترى العدالة الإلهية المطلقة ليس في يوم الحساب، بل في الدنيا كذلك، حتى وأنت تعاين البؤس عند أشقى أهل الأرض، فثمة امتيازات خصهم بها الله، لعلهم لم يدركوا عظمتها، فلفهم البؤس والشقاء، فكما أن للعدالة وجوها كثيرة، فإن للجمال المصاحب لتلك العدالة وجوها متعددة كذلك.
والجمال هو أن تؤدي مهامك وأنت تبتسم ومقبل على الحياة والعمل بكليّتك الكاملة قلبا وقالبا، فالجمال أن تكون للعمل مؤسسة قائمة بذاتها ولا تنتظر أعمال الآخرين، أدِ واجباتك وكن مطمئناً، ولا تنتظر الثناء، وليثنِ عليك ضميرُك الذي يرعاك وترعاه!
والجمال هو الشعور بالآخرين، أفراحهم وأحزانهم، الاستماع بشغف لصمتهم المهيب، للكلام في عيونهم، لملامح وجوههم، لدقة قلوبهم الوالهة، منتظرين ندى الخبر السعيد بعد طول عناء وشقاء، الجمال أن تكون معهم ولهم كأس عذبِ الماء، لعلك تروي بعض عطش السنين الجارحة الكاوية في لهيب جحيمها.
هكذا تشعر بجمالك الذاتي وارتياحك الروحي، فهذا هو الجمال بحد ذاته، كينونةٌ مشتعلة وطاقة خلاقة فلا ركون ولا تمطّي ولا بؤس ولا يأس ما دام في الكون شمس تشرق كل صباح تجدد الأمل، ألا عشتَ أيها الجمال، فلتكن للروح روحا.


أحبكَ أيها الراحل الكبير!! | فراس حج محمد

Posted by غير معرف | الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013 | Posted in , ,

أحبكَ أيها الراحل الكبير!!


فراس حج محمد

هـــا هـــو آخر يــومٍ في هذا العام، يستأذن البشرية بالرحيل، هو آخر يوم في مفكرة العشق الجميل والذاكرة الحية الثرية التي لا تموت ولا ينضب لها فكر  وفتنة، تطوى على رؤيا كانت حلما وأصبحت سر الدقائق والزمن.
تصطرع في المخيلة صور وذكريات، مواقف وحكايات، صبابات وغوايات، جنون ومجون، انكسار وضعف، قوة وتحدٍ، إرادة وصلابة، انهيار وانهمار، وقوف ووقوع، عقل وعاطفة وقلب، كلها كانت إرثا وجدانيا مبهرا، تلفه سنة 2013 وتغلفه بأردية الحب الناعم الشفيف، وتسلمه إلى سنة أخرى، لتظل شعلتنا مضيئة ما دام  الزيت في مصابيح أرواحنا.
ها هو آخر يوم ينقص رويدا رويدا، أراه لا يطيب له البعد والابتعاد، هل كنت أيها العام مريرا؟ ألم تشبع من انتكاساتنا أم أعجبك أننا كنا العاشقين المولهين الذين ملأنا الدنيا وأشغلنا الناس؟ فهل حقا كنا كذلك؟
ربما أيها العام كنت لي محطة مختلفة، كنت بهيجا، كنت رحيما، لم تقس عليّ، لا أحب لك الانتهاء، علمتني فيه الصبر والحكمة، وأعطيتني فيه اكتمال الأربعين، عمر النضوج والوحي والسفر الروحي، أعطيتني ما لم تعطه لأحد، كنت صديقي أيها العام الجريح!!
ها أنت تبكي، أكاد أسمع همهماتك وزفرة أحشائك، تلفحني حرارة أنفاسك، وقد آلمك ما آلم الكثيرين، هل كنت يا صديقي سبب المصائب  والجنون في عالم ناسه لا يرحمون ولا يرعون، لقد وعدتنا في بدايتك أن تكون خيرا، ولم تخلف لك وعدا، ولكن من عاش فيك لم يكن يعرف للخير محلا، فقد حمّلك المجرمون العتاة الطغاة الخطايا والأوزار وأنت منها بريء براءة الشمس من دماء الأصيل.
كنت وما زلت أيها الراحل الجليل صديقا، ألم تترك فينا نفسك؟ فكيف بنا أن نكرهك، أنكره أنفسنا. إني أحبك، ولكن لن أرثيك فأنت مت من على مفكراتنا وأجندة أعمالنا لكنك باق مقيم فينا جزء من كياننا!!  

تكلم أيها الراحل الجميل، لم يبق كثير وقت، ادفع بالتي هي أحسن، فنحن لم نكن نستحق فرصتك، والله إننا نحن الخونة، ولست أنت، أحبك أيها العام الذي كنت صديق أعمارنا ثلاثمئة وخمسة وستين يوما، أحبك أيها 2013.

رمل الأفعي وشهادات حيّة على معتقل لا يرحم فراس حج محمد/ فلسطين

Posted by غير معرف | السبت، 21 ديسمبر 2013 | Posted in ,

رمل الأفعي وشهادات حيّة على معتقل لا يرحم

فراس حج محمد/ فلسطين

ما زالت ذكرى الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجر، عابقة بذكرياتها وإن كانت مرة إلا أن لها مخزونا مكتنزنا بالمشاعر والصور في ذاكرة الكتاب والمثقفين، فبعد أكثر من ربع قرن على اشتعال هذه الثورة العبقرية بأبسط سلاح لتأكيد الحرية كأجلّ معنى إنسانيّ تطلّ تلك الثورة رافلة بقوتها كأنها تحدث الآن، وما زالت تتسلل إلى روح القلم في كتابات الكتاب، ومن ذلك كتاب الشاعر والناقد الدكتور المتوكل طه "رمل الأفعى- سيرة كيتسعوت – معتقل أنصار 3"  
يكشف الكتاب عن أهوال داخل المعتقل وبالتحديد معتقل "كيتسعوت" أو ما عرف بـأنصار3 في صحراء النقب الواقعة جنوبيّ فلسطين، وكيف قضوا فترات الاعتقال بأيامها ولياليها الموصوفة بأنها "فوق الوصف"، كتاب توثيقيّ بشهادات حيّة على معتقل وسجّان لا يرحمان، ولا يعرفان للإنسانيّة طعماً، معتقل تهيّأ ليناصب الفلسطينيين القابعين فيه العداء بحكم إستراتيجية صهيونية لقهر روح المقاومة الفلسطينية التي أطلت فتية بثياب جديدة مع إطلالة الانتفاضة الأولى، عام 1987م، واستمرت حتى عام 1993، حيث اتفاق أوسلو الذي أدخل الفلسطينيين في معادلة أخرى، ليس هذا هو محل الحديث عنها.
ويميط الكتاب اللثام عن جانب مهم من جوانب المقاومة الفلسطينية في المعتقلات الإسرائيلية، فقد وظف المعتقلون فرصة وجودهم في المعتقل لبناء شخصية الأسير الثقافية والسياسية، حتى أنهم شكلوا فرقا لمحو الأمية، وهذا جانب له دلالته في حركة المقاومة الفلسطينية الشاملة، التي تتحدى وترفض الاستسلام للظروف مهما كانت قاسية.
وعلى الرغم من أنّ الكتاب خاص بتجربة الاعتقال الشخصية للشاعر المتوكل طه، إلا أنه سيرة اعتقال جماعية لكل أبناء الشعب الفلسطيني الذين مروا بهذه التجربة في هذا المعتقل الذي افتتحه الإسرائيليون خصيصا لمواجهة الانتفاضة الشعبية العارمة، ويرسم الكاتب مشاهده الزاخرة بالحياة والحيوية بعفوية مطلقة، تجعلك تجري مع المكتوب كأنك تتابع حدثا مرعبا في فيلم سينمائي مليء بالمفاجآت، فاللغة والأحداث تأخذان بالألباب.
ويؤكد المتوكل طه في هذا الكتاب صوته المقاوم المتميز، بأسلوبه البهيّ، ورونقه الشجيّ، وكتابته الرائقة الممتعة والشقية، فتنسيك ما كنت قبل لحظات، وتتنقل بك من مشهد إلى آخر بإتقان، فتتابع مشاهد السخرية والفرح والموت والتعذيب والألم، ومشاهد الرثاء الأخير، وكلها جاءت ضمن متوالية لغوية وثّابة وحركة دراماتيكية مشتعلة بروح المقاومة والتحدي.
يتضمن الكتاب قسمين، يتحدث الكاتب المتوكل طه في القسم الأول عن تجربته في معتقل أنصار 3 بشهادة غنية وطويلة امتدت إلى (182) صفحة من أصل (336) صفحة، وقد جاءت شهاته تلك شاملة لكل عذابات الأسير الفلسطيني، وراصدة لكل ما عاناه الأسرى من لحظة الاعتقال الأولى وحتى الإفراج عنهم، ويوثق ما بين اللحظتين مأسيَ وآلام يفوق ألمها دقة الوصف وبراعته، وتزيد مشاهدها في حرارة اللغة ودراماتيكية الأحداث بأهوال عصيبة في بؤرة جغرافية هي بحد ذاتها، بعيدا عن فنون العذاب البشري، لا ترحم، فما بالك إذا اجتمع على الأسير الفلسطيني قسوتان؛ قسوة الطبيعة وقسوة السجان؟! ولذلك تعدّ شهادة المتوكل طه بمثابة وثيقة تاريخية لكل ما دار ويدور في المعتقلات الإسرائيلية ولم يطّلع عليها العالم ومنظمات حقوق الإنسان وهيئات القانون الدولي الإنساني المحلية والعالمية.
وتداخلت في هذه الشهادة اللغة الواقعية التسجيلية باللغة الشاعرية، فقد ضمن الشاعر المتوكل طه هذه الشهادة كثيرا من المقاطع النثرية والشعرية التي تصلح لأن تكون نصوصا وجدانية مستقلة "نصوصا وقصائد"، يعبر من خلالها عما في نفس المعتقل من تمنيات وطموحات أو تأوهات إنسانية كأي إنسان يعاني من آلام الشوق والحنين، وخاصة حنين الرجل لامرأته التي يهواها أو يتمناها في ظل هذا الغياب القسري وظل هذا الجفاف الصحراوي المسيج بذلك الكم الهائل من العذاب المميت القاسي.
نصوص وجدانية يجري فيها الكاتب مع إحساساته العاطفية ورغباته البشرية وضعفه الإنساني المحبب ليعبر عن اشتياقاته لعناصر الحياة التي تشعره بأهمية أن يظل مقاوما وحيا، فمرة يكتب لابنتيه هزار ونوّار، ومرة لزوجته، ومرة للقدس والوطن، ومرة لأبيه الذي عانى مما عاناه فيما سبق من فصول التاريخ الفلسطيني على هذه الأرض.     
وإضافة لتلك المقطوعات الوجدانية ثمت نصوص شعرية تعبر عن روح التحدي المباشر والمقاومة وبثّ الحماس ورفع الروح المعنوية لرفقاء المعتقل، حيث كانت قصائد المتوكل مع قصائد أخرى لشعراء آخرين معتقلين معه، كقصائد عبد الناصر صالح ووسيم الكردي مشعلا ثوريا ومساعدا للتصدي، وقد كانت تلك القصائد تصل لبقية المعتقلين، فيحفظونها ويرددونها في المناسبات المختلفة، وبيّن المتوكل طه كيف كانت قصائد عبد الناصر صالح التي يلقيها على مسامعه وهو في العزل مساعدا قويا على الثبات والتحدي.
وأما القسم الثاني من الكتاب، فيشتمل على (16) شهادة اعتقالية لرفقاء الاعتقال، فقد كتب هؤلاء المعتقلون السابقون شهاداتهم، بعد أن كلفهم بذلك المتوكل وبعد أن عرض عليهم مسوّدة الكتاب قبل النشر، ولعلّ تلك الشهادات لم تضف شيئا جديدا لشهادة المتوكل الطويلة، ولكنها بكل تأكيد عمّقت ما جاء به الكاتب وعاضدته وأيدته، وأعادت رسم بعض التفاصيل، وهذا أعطى للكتاب بعدا توثيقيا وتأريخيا مهما، أضف إلى أن تلك الشهادات بينت مدى ارتباط أصحابها بالعمل الثوري بشكل عام، وعلاقتهم بالمتوكل طه بشكل خاص، وكشفت هذه الشهادات عن فئة لها دورها في الفعل الثوري المقاوم على الأرض، وأقصد بذلك المثقفين الذين انخرطوا في أعمال الانتفاضة الأولى قيادة وتنظيما، وربما أبعد من ذلك أيضاً.
وكشفت بعض تلك الشهادات عن الداعي لكتابة المتوكل كتابه، ذلك أن المتوكل طه كتب كتابه هذا في رام الله، بعد ان انتهت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ودخل الفلسطينيون في مرحلة الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى"، فقد أفصح المتوكل عن زمن كتابته لشهادته تلك، فقد كانت بــ 3/1/2001، فقد استدعى اندلاع الانتفاضة الثانية ذكرى الانتفاضة الأولى، وبذلك أشار "محمد الحوراني" بشهادته، علما بأن المتوكل نفسه قد لمح لذلك في بداية حديثه عندما بدأ بالموازنة بين الانتفاضتين منحازا بشكل غير علني للانتفاضة الأولى، لما لها ربما من فعل ثوري شعبيّ عارم، ولما تركته على الشاعر وجيله من أثر في تشكيل الوعي السياسي والثقافي، لما في التجربة الأولى من طزاجة وفرادة وتميّز!
لقد كتب كثيرون شهادتهم ممن ورد ذكرهم في حديث المتوكل طه، ولكن وجدت نفسي مضطرا لطرح التساؤل الآتي: لماذا لم يكتب الدكتور عبد الستار قاسم شهادته؟ وهل عرض المتوكل كتابه على الدكتور قاسم كبقية الأخوة المعتقلين؟ ولماذا تجنب أصلا المتوكل طه التنويه بدور الدكتور قاسم في شهادته المطوّلة على الرغم من أنه يورد اسمه مرورا عابرا في الصفحات الأخيرة من شهادته صفحة (176)؟ لاسيما وأن الدكتور عبد الستار قاسم صاحب تجربة خاصّة، وله دوره في حياة المعتقل، ويبدو أنه شاركهم الفترة الاعتقالية ذاتها، كما صرح بذلك الشاعر عبد الناصر صالح في شهادته، متحدثا عن دور عبد الستار قاسم قائلا: "وأشيد بهذه المناسبة بدور الدكتور الصديق عبد الستار قاسم في هذا المجال الذي لم يتوان لحظة عن تقديم خلاصة فكره وثقافته للأسرى من خلال الندوات واللقاءات السياسية والفكرية التي كان ينظمها لرفع المستوى الفكري والثقافي للأسرى"/ ص325.
وبالمجمل، فإن الكتاب يشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية والفلسطينية ورافدا أساسيا لأدب المقاومة، وليس أدب السجون فقط، وأعيد هنا ما كتبه عن الكتاب الروائي الفلسطيني يحيى يخلف: "إنه عمل يحتوي المتعة الفنية واللغة الشعرية والعمق الإنسانيّ، عمل يحافظ على التجربة ويطلق صرخة الحرية".
لقد وثقت هذه الشهادات الواردة في "رمل الأفعى" العلاقة الأدبية بين هذا النوع من الكتابة بتجارب الكتاب العالميين والعرب ممن عانوا مما عانى منه المثقف الفلسطيني من أمثال ما كتبه يوليوس فوتشيك في الأدب السوفيتي، وأشعار ناظم حكمت التركي، والتجارب الروائية لكتاب عرب، كرواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، وما أبدعه الكاتب عدنان جابر في كتابه "القيد والحرية"، بالإضافة إلى ما كتبه الأدباء الفلسطينيين في هذه التجربة من أمثال علي الخليلي وعزت الغزاوي، ووليد الهودلي، وآخرين ممن تزخر بإبداعاتهم المكتبة الوطنية الفلسطينية.
 إن ما كتبه رواد المعتقلات الإسرائيلية من الفلسطينيين والعرب سيظل وثيقة تاريخية شاهدة على جبروت الاحتلال وقسوته، وبؤسه كذلك في محاولته إسكات صوت شعب يتوق للحرية، والتي يسعى إليها جاهدا لا يهمه ما نزف أو سينزف من عذابات، فكل شيء سيهون أمام هذه الغاية الإنسانية المصيرية الكبرى، ومن جهة أخرى سيبقى ما كتبوه من شعر ونصوص وشهادات شاهدا حيّا على قوة أبناء هذا الشعب الذين رفضوا الذل والخنوع، وأصروا على أن يكون لهم وجود وحق في هذه الأرض التي هي أرضهم.           
  


يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المنجز اليومى

المشاركات الشائعة