Headlines

قصيدة النثر واستعادة الأسلاف؛ | موعظة النخلة | قراءة في قصيدة "النخلة" للشاعر: محمود قرني | د.محمود أحمد العشيري

Posted by غير معرف | الجمعة، 14 يونيو 2013 | Posted in , ,


قصيدة النثر واستعادة الأسلاف؛
                                 موعظة النخلة
           
  قراءة في قصيدة "النخلة"
                     للشاعر: محمود قرني ([I]).




 بقلم
    د.محمود أحمد العشيري
      المدرس بقسم الدراسات الأدبية
     بكلية دار العلوم/جامعة الفيوم
El_ashery70@yahoo.com   


       
النخلة
محمود قرني
1- جلس الرجل
2- يكتب تعويذته على ذيل قط أعمى
3- ويقذف بصُرّة الشيح إلى قلب النخلة
4- ناداها بكل الهواء الذي يملأ صدره:
5- "يا عمتي"
6- النخلة في ساحة البيت تميل في دلال
7- تلقي سلاما هنا
8- وسلاما هناك
9- كان طلعُها الأبيض كالحليب, تذكارا
10- موشوما على قلبه
11- صعد بظهْرية من الليف إلى رأسها
12- كلمها.. وناداها
13- سكب في قلبها حليب أصابعه
14- وعندما هبط، كان صدره المعطوب
15- يعلو ويهبط في هياج
16- كأنه فرغ للتو من مضاجعة طويلة
17- كان النهار ربيعيًّا جافًّا
18- تأملها ثانية ونادها باسمها
19- ألقى مياهًا غزيرة حول ساحتها
20- وقال:
21- الآن فقط أسمع صوتي
22- كنت أحتاج إلى ذلك
23- أحتاج إلى الغبار والصفير
24- واصْطكاك الأسنان في نصف طُوبة
25- أحتاج أغراضي
26- أحتاج طريقًا محفوفة بالمخاطر
27- وأتصور المتاهة على نحو كهذا
28- نحن متشابهان إلى حدٍّ بعيد.

*   *   *
29- كوني كما تصورتك
30- ساعة إشراقة الشمس
31- شعر أخضر يخامِرُ الأصابع
32- يطلع ناعسًا من مخمله
33- ينام على قلبك الأبيض حتى الصباح
34- ويقبض على خصرك الذي يشبه
35- خاتم قديس
36- أنا منتشٍ هكذا
37- واسمك يمر كنسمة على فم المغني
38- أريد أن أذهب إلى السوق
39- وأشتري من أجلك أرواب زينة
40- وأضواء مبهرة
41- "يا أخت أبي" استسلمي لذراعي
42- فأنا أحبك حتى النهاية.

*   *   *
43- كأن شيئًا لم يكن
44- قصَّ على رأسها أقاصيص من قلبه
45- دلىَّ عراجينها بتؤدة ولين
46- فأصبحت امرأة ذات أرداف
47- ساحرةٍ وملونة
48- دائمًا يتذكر أباه الذي ربّاها،
49- وهو يقص حكايتها كل يوم مع القاضي الميسَّر
50- الذي كان يجلس تحتها
51- ليقضي في الناس
52- ولا يهش أبدًا
53- كأنه بناية لا تريم
54- لكنها في لحظة من لحظات هزرها
55- أسقطت بلحة غليظة على أنفه
56- انتفض وتأسف على وقاره الذي ضاع
57- لكنه قهقه لأول مرة في حياته
58- بسْمل وقال:
59- "ضعف الطالب والمطلوب"
60- لكن الغيمة المارة على رأسها لم تدمْ طويلاً
61- وقعت برأسها على الصاعقة
62- لبستْ بعدها ثوبًا بنيًا محروقًا
63- وفقدت أنوثتها الطاغية
64- هي الآن ذكر نخيل لا ينبس
65- لن تستطيع أن تقص على صاحبها
66- قصصًا أخرى عن النساء
67- اللاتي احتمين بظلها
68- وتعرين لنسمات الصيف الطرية
69- ولا عن الغمزات المخجلة
70- التي تركتها العذراوات
71- في الأماسي المقمرة
72- النخلة البضة صارت ذات عضلات مفتولة
73- وشارب مبروم
74- بينما العاشق ضائق الصدر
75- يخرج برأسه من الباب إلى الساحة
76- يملأ صدره المعطوب بالهواء
77- ويعود حسيرًا
78- يتوسط ساحة البيت وينظر إلى أعلى
79- إلى رأسها
80- يريد أن يقول لها يا أخت أبي،
81- يا عمتي
82- لكنه لا يستطيع.














تقف نصوص الحداثة عند لحظة زمنيّة آنيّة، هي حاضرها ومستقبلها، وتسعى محمومةً بالتغيير والتجديد إلى إرساء قطيعةٍ- على نحوٍ من الأنحاء- مع ماضيها، وكأن وجودها القوي لن يقوم إلا على الإزاحة والاستبدال والقطيعة.
        ولكن مثل هذا الاستبدال أو تلك الإزاحة والقطيعة لن تكونَ مقبولةً إلا "مجازًا" بوصفها نتاج رغباتٍ قويةٍ لتحقيق المصير، الذي لن يكون إلا وجودًا جماليًّا أكثر تفردًا؛ إذ لا يُمكن للحظةٍ آنيّة- كما يقول "بول دي مان" أن تنفصل عن ماضيها؛ لأنها ستكون قد انفصلت  عن حاضرها، أو آنيتها في اللحظة ذاتها، فكل حاضر هو جزء من طبيعة المستقبل وماهيته؛ فالآن هو ما يولد المستقبل، وعليه تصبح كل لحظة جزءًا من ماضيها، كما تغدو ماضيًا بالنسبة لمستقبلها(1). وعلى هذا ليس ثمة مهرب من الماضي، وستجد التقاليد الحداثيّة نفسها في مأزق معه، تقف منه موقفًا متعارضًا، يتجاوز حدود المقابلة أو التضاد، فيتجاوز الموقف من الماضي أو التراث أو التاريخ حدود الرفض أو النسيان أو التجاهل أو القطيعة إلى الحُكْم النقدي وإعادة القراءة.
        على أن كل قراءة واعية للأسلاف هي ابتعادٌ عنهم بإعادة إنتاجهم؛ فإعادة القراءة بقدر ما تُثَمِّنُ إنتاج الأسلاف- تُعْلي من قيمة الاختلاف والانحراف، لا التطابق أو التشابه.
لا تمثل التقاليد الفنية مبادئ مطلقة حاكمة لمفاهيم الإبداع، ولا تجعل من نفسها أيضًا بديلاً مطلقًا لمبادئ المزاحة، وإنما المعول على تفاعل الأشكال الفنية معًا وتجادلها مع واقع الذائقة الجمالية وواقع التلقي اللذين هما محصلة تجادل جديدٍ يحاول أن يستقر، ومُسْتَقِرٍ يعاد ترتيبه، وتجدد قراءته.
        كلُّ إبداع جديد هو علاقة ما مع الماضي؛ علاقة مع تقاليد النوع الذي يمثله، فضلاً عن الأنواع الجمالية الأخرى التي يتجادل معها؛ فعبر معالمَ ما مرنةٍ للنوع يمارس الفنان على الدوام معركته الاختلافية التي تترصد خصمين كبيرين هما التقاليد الفنية والذائقة السائدة.
ويقف التاريخ النوعي للشعر ليكون أفقًا تنظر إليه كل قصيدة جديدة، لتظل العلاقةُ معه علاقةً محسوبة- باختلاف الظرف الاجتماعي الجمالي- بين مساحةٍ ما من الانحراف والجِدّة والمفاجأة، بما يحفظ على النص ابتكاره وتفرّده، وأخرى من الالتزام والخضوع للتقاليد، بما يحفظ على النص تقبله المبدئي وانتماءه النوعي.
تتخذ الدراسة من التناص آليّةً لقراءة النص، والمسألة بحالٍ ليست مِنْ قبيل دراسة مصادر الصورة، أو دراسة التأثّر المباشر أو الضِّمْني بين الشعراء، بل هي في زاويةٍ منها دراسة لجماليّة التعامل مع موضوع أدبي أو تقليد فنّي، عبر مرحلة من مراحل تاريخيته، إضافة إلى تَبَصُّر الموقف الفكري/الجمالي لقصيدة أنتجها شاعر يمثل- على نحو من الأنحاء- طرفًا في شعريةٍ أو شعريات مختلفة بعض الاختلاف، تشق لنفسها جدولها الذي يتدفق عبر خارطة الشعر الغنية بتنوعها.
        وتبدو القراءة التناصيّة هنا أكثر قدرة على الكشف  عن دلالة النص الأدبيّة، إذ لا تستطيع القراءة السطريّة المشتركة بين جميع النصوص، أدبيّةً كانت أو غير أدبيّة أن تنتج- كما يقول ريفياتير- غير المعنى(2).
ويحقق انتهاج التناص أمرين على الأقل؛ أولهما: بيانُ أن كُلَّ نَصٍّ هو فضاءٌ لتقاطع نصوصٍ متعددةٍ، تَسَرَّبَت متتالياتها الرمزيّة إلى هذا النص الذي يمارس عليها سلطة التبديل والتحويل. وكل حيازة لمتتالية رمزيّة من نَصٍّ ما هي إعادة قراءةٍ لها ولِنَصِّها. وثانيهما: أن النص- محل الدراسة- كما يقرأ الواقع، ويُعَبِّرُ عن لحظةٍ آنيّة، يقع عند ملتقى مجموعةٍ من النصوص الأخرى السابقة؛ منها ما هو ديني، أو صوفي، أو أسطوري، أو شعري، بحيث يغدو التناص نفسه حينئذٍ علامةً على الطريقة التي يقرأ بها النصُّ التاريخَ ويَنْدَمِجُ فيه.
إن ألق استخدام نص محمود قرني لنصوص أسلافه أنه يفتح صدره واسعًا لدخول شذرات أسلوبيّة ودلاليّة من نصوص متعددة، ولكن دون أن تتجمّع معًا في أُفُق وحيد ضيّق، أو تتجمع لتحاصره، وتفرض عليه أُبُوّةً مزعومةً، يبدو معها كما لو كان امتدادًا طبيعيًّا لها. ليظل الاختبار الحقيقي: كيف يمكن للقصيدة أن تنظر لتراثها، كيف يمكن لها أن تصارع مرجعياتها، دون أن تُقْتل على يد ماضيها القوي؟
        والقصيدة هنا نموذج لقصيدة النثر عندما تُعْرِض عن اليوميّ، عن المَدِيْنِيّ عن الاستهلاكيّ إلى الطبيعة، إلى الطقوسي والشعائري، إلى الرمزي الذي تكتبه لغةٌ تَتَقَلَّبُ في زَخَم التراث، وتتقافز فيما بين أدائيات قصيدة النثر، ولغة الشعر العربي القديم، ونصوص التراث الديني، والأسطوري؛ القديم والمعاصر.
        ولكنها على الرغم من هذا الوعي الاجتماعي العميق الذي تحفل به القصيدة- تفارق لغتها إجمالاً مذاق الشعر العربي القديم وآلياته، لِتُكْتَب بلغةٍ أخرى، حريصةٍ دومًا على تقديم جماليّةٍ مختلفة، حِرْصَها على تقديم تجربة شعريةٍ شديدة الارتباط موضوعيًّا بمجتمعها وسياقها.
        يكتب محمود قرني هنا عن (النخلة/الأنثى) أو عن (الأنثى/النخلة)، على ما يمكن أن تشير إليه كل منهما؛ النخلة والأنثى كل على حده، أو تشير إليه في ظل إشارة الأخرى وأبعادها الدلالية؛ فلحظة ما يكتب عن النخلة؛ يكتب عن الأنثى وغيرها، ولحظة ما يكتب عن الأنثى؛ يكتب عن النخلة وغيرها.
        ويأتي النص في مقاطع ثلاث:
-      يقدم الأوّل علاقة (الرجل- النخلة)، وبؤرته "الرجل". س(28:1).
-      ويقدم الثاني علاقة (النخلة- الرجل)، وبؤرته "المرأة". س(42:29).
-      أما الأخير فيقدِّم علاقة (الرجل- المرأة)، وتصبح "النخلة" بؤرته. س(82:43).
وتبدو العلاقة بين الشاعر والنخلة عند كل مقطع كما لو كانت بحاجة إلى استظهار علاقات أخرى قارّة في عمق هذه العلاقة المتحوّلة على طول النص، في مقدمتها علاقة "الشاعر/ الذكر" بـ"الأنثى"، وعلاقة "النخلة" بالإنسان بعامة[II]، وبـ"الأنثى" على وجه الخصوص. حتى لَتَبْدو علاقة الشاعر بالنخلة أقرب إلى تكامل نمطين من العلاقات السحرية؛ النمط التشاكلي والآخر الاتصالي(3)؛ فتتخذ الذات من اتصالها الحميم بالنخلة علامةً على الاتصال المحموم به بالأنثى، وفي كل لحظة تُوَلِّدُ فيها النخلة إشاراتها إلى الأنثى؛ تعود بنا الأنثى ثانيةً إلى النخلة ذاتها، إلى الطبيعة الأم.
وتظل النخلة على الدوام تستعير دوال تصويرها من حقل (المرأة- الرجل)؛ فالجَسَد البَضّ في مقابل العضلات المفتولة والشارب المبروم. ومن أنثى تقص على صاحبها أسرار النساء اللاتي احتمين بظلها، وتفضي بأسرارهنَّ إلى ذكر نخيلٍ لا يَنْبَس. لقد كانت النخلةُ نخلةَ حينما كانت أنثى، حينما كانت تميل في دلال، وكان طَلْعُها أبيض كالحليب.
        والنخلةُ- الرمزُ المُتَخَيّر للكتابةِ حوله- مفعمةٌ بطاقات تتقلَّب فيما هو أسطوري، شعبي، ديني، صوفي، سحري، شعري على مابين هذه الحقول من تماس وتداخل.
(‌أ)              المقدّس الديني:
تأخذ النخلة في النص بُعْدًا رئيسيًّا قوامه الإجلال والتقديس، ولعل هذا يرفده الوعي العربي الإسلامي الذي يُبَجِّل النخلة منذ أن قَرَنها القرآن بكلمة التوحيد؛ إذ ترتبط في أفق التفاسير بكلمة "لا آله إلا الله" بوصفها الكلمة الطيبة في قوله تعالى: }ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة{ (إبراهيم- 24)[III]. وهي وَعْدُ اللهِ المتقين في الجَنّة لمن سَبَّح بحمده وعَظّمه(4).
وفي غير واحدٍ تأتي الأحاديث لترسخ المشابهة بين النخلة بخضرتها الدائمة والمسلم أو المؤمن بخيره المقيم. جاء في صحيح البخاري قوله r: ”إنَّ من الشجر شجرة لا يَسْقُطُ ورقها، وإنها مثلُ المُسْلم، فَحَدِّثوني ما هِيَ ... قال: هي النخلة“(5) ويذكر ابن الشجري في أماليه قوله r: ”مَثَلُ المؤمن مثل النخلة، إن شاورته نفعك، وإن شاركته نفعك، وإن ماشيته نفعك، وكذلك النخلة كل شيء منها منافع“(6).
ولعل نصوصًا مثل نصوص حنين الجذع إلى النبي محمد r تُسْهم بشكل أو آخر في ترسيخ الصورة العاطفية للنخلة في المخيال العربي الثقافي(7).
وينبني النص على استعارة مجازيّة محوريّة، تُخَاطِبُ فيها الذاتُ المحكيُّ عنها النخلةَ بوصفها "عَمّة":
            ”ناداها بكل الهواء الذي يملأ صدره:
            يا عمتي“                                       س(5،4).
وهو في هذا يستعير الوصفَ من نصوص الحديث النبوي[IV] حيث أوّل النصوص التي تصوغ النخلة على هذا النحو عبر هذا المجاز، إذ يذكر الجاحظ في "البيان والتبيين" قوله r: ”نعمت العمّة لكم النخلة...“(8)، وفي حديث آخر: ”أكرِموا عمتكم النخلة...“(9).
وإذا كان النص هنا يسترفد الحديث النبوي بشكل مباشر، ويقتبس منه هذا المجاز، فإنه في موقعٍ آخر يناديها بقوله:
            ”يا أخت أبي“                  س(41).
وقد يبدو هذا الوصف للوهلة الأولى مُوَلَّدًا على المجاز السابق، مبنيًّا عليه، إذ العمّة أخت الأب، ولكننا نجده في بقية الحديث السابق، الذي يعطي لهذه القرابة بُعْدًا أعمق تتجاوز الأُبُوّة القريبة إلى أُبُوّة الجد الأعلى، إلى آدم ذاته. يقول المتن: ”أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خُلِقَتْ من فَضْلةِ طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرةٌ أكْرم على الله من شجرة وَلَدَتْ تحتها مريم ابنة عمران، فأطعِموا نِساءكم الوُلَّد الرُطَب، فإن لم يكن رُطَب فتمر“(10).
(‌ب)      المعراج الصوفي:
ويبدو الاتصالُ بالنخلة انفصالاً عن الآخرين، انفصالاً عن كل ما هو مُبْتَذلٌ وزائف، معراجًا لا ترى فيه الذات غير "الوصول" هدفًا، لا يَشْغَلُها غيره، ولا تسْمع معه أحدًا، ليتحقق لها مقام "الوصل"، والوَصل "إدراك الفائت" كما يقول ابن عربي، وهو ما يلح عليه النص.وعلى الحاجة إليه س(26،25،23،22). ولا تكون ثمرة هذا الاتصال سوى اللذة الكبرى التي لا تزيده إلا شوقًا وارتباطًا.
        إن صعود النخلة على ما يُمكن أن تُتَأوّل عليه رحلة عِرْفان صوفي تُتَحَصَّلُ فيه المعارف عن طريق الإحساس الباطني، والكشوف القلبيّة، الرحلة معراجٌ إلى السِّرّ الأعظم، تطرح فيه الذات موبقاتها، وهمومها، وأثقالها، ووجودَها القديم، إحساسها الناقص بالوجود، قصورها عجزها... لتكتمل معرفتها، وتحس الوجود الكامل الحقيقي، وترى الحقيقة كما هي، لا لترى الاستقرار الساذج أو الطمأنينة الزائفة، وإنما ترى "المتاهة"، و"المخاطر"؛ لتنتقل إلى ثُلّة العارفين.
        ويستعير النص لمقام "الوصل" الذي هو غاية معراجه الروحي الوجودي مفردات الجسد؛ ليعيد للذات اكتمالها الحقيقي، دونما إقصاء لأحدٍ من طرفي المزدوج (الجسد/ الروح). فالوصل ليس مسألة إثارة جسديّة، أو نزوة انفعاليّة عابرة، بل هو تجسيد للوجود الفعلي لقوى الحياة الماديّة/العاطفيّة،حيث النخلة أنوثة المعشوقة، إذ يمتزج في المقطع الأول الحلول الصوفي بشبق الرغبة، وتختلط طقوس الرحلة والبحث عن الوجود الفعلي الأصيل بطقوس الاتصال والمعاشرة.
والمقطع يشير لفعلٍ حياتيٍّ معتاد، يرتبط بالإخصاب الاصطناعي للنخيل[V] ولكنه في الوقت ذاته يتجاوز هذه الزيجات النباتيّة إلى تطلعاتٍ بشريّة وزيجات حُلْميّة مع النخلة/الأنثى المطلقة.
لقد حملت الذات إلى النخلةِ الملاذ أمنياتِ الجسد، حيث واقع المتعة وتحرير الرغبة، بعد أن أفقدها الإخفاء والكبت والتنكّر وجودها الأصيل.
        والعلاقة مع النخلة أقرب إلى أحوال الصوفيّة ومقاماتهم، من حيث الأحوال مواهب، ترد على القلب من غير اكتساب، أمّا المقامات فمكاسب يصل إليه السالك بالصبر والمجاهدة(11)، فالذات قبل صعود النخلة في حال عوزٍ روحي، واحتياج كبير، تكرره وتؤكد عليه:
                ”كنت أحتاج إلى ذلك
                أحتاج إلى الغبار والصفير
                واصطكاك الأسنان في نصف طوبة
                أحتاج أغراضي
                أحتاج طريقًا محفوفةً بالمخاطر“                               س(27:22).
        إن الحياة المليئة بالوحدة والوحشة تتحول بعد معاينته وتَوَحّده إلى أُنْسٍ وطمأنينة. وتعود لتنقلب إلى إحساسٍ عميق بالمرارة والأسى في نهاية النص عند انقطاع الأنوثة عن النخلة.
(‌ج)        المقدّس الأسطوري:
ويعيد النص في هذا المقطع الأوّل إنتاج هذه الدلالة الأسطوريّة للنخلة، والقائمة على الخصوبة والتجدد والاستمرار، إذ ”ربطت شعوب البحر الأبيض بين عمليات إخصاب النخيل، أو ما يُعْرَف بـ"الطلوع" أو التلقيح... وبين الموت ثم القيامة، أو توالي الولادة والاستمرار.
        ولعل مطاردة أصداء "عشتار" في النص تصل لدينا بين النخلة، وبين ما هو عشقي جنسي، وبين ما هو أمومي أيضًا؛ فقد وَحَّدَ الفينيقيون بين النخلة- التي كانت أيقونةً على ”شجرة الحياة في الشرق“(12) والتي عَدّها الساميون بعامة ”شجرة الحياة في جنة عَدَن- وبين آلهة الإخصاب الجنسي أو التعشير "عشتروت" أو "عشتار"؛ فالنخلة كانت شجرة الميلاد أو شجرة العائلة عند كل شعوب غرب آسيا، في مصر، وبابل، وفينيقيا، والجزيرة العربية“(13)وكانت تُصَكّ على النقود في شكل نخلة وافرة الثمار(14).
        لقد تقاسمت "عشتار" في بلاد الرافدين مع "ننتو" (أو "مامي" أو "ننماخ" أو "ننخرساج") وظائف الأم الكبرى الموروثة عن العصور السالفة، وفي حين بقيت "ننتو" الأم- الأرض، صارت عشتار الحب، وروح الخصوبة الكونيّة[VI].
        لقد هبط الشاعر من صعوده النخلة بصدره المعطوب، يحدث نفسه:
                ”الآن فقط أسمع صوتي
                كنت أحتاج إلى ذلك“                         س(22،21).
إن عشتار التي تبدت في تراتيل بلاد الرافدين وصلواتها بوصفها سيدةً للشفاء(15) تتماهى هنا مع النخلة التي كانت تظهر فيما مضى بوصفها أيقونةً لها.لقد كانت الذات بحاجة إلى هذه العلاقة، بحاجة إلى هذه الأنثى، فمواقعتها والالتحام بها كشفٌ عن كل التبديّات في الطبيعة والكون، عن أن وراء هذا الوجود الظاهر المحدد وجود كوني أعمق، لا نهائي. لقد غَدَت النخلة منشأً للوجود الفعلي الحقيقي للجسد والروح، لا الوجود المادي المُفَرَّغ.
ويُرْفد دلالاتِ النخلةِ في النص أيضًا ما يرتبط به في المخيّلة الشعبية العربية من طقوس وشعائر سحريّة، فيبدأ بالخوف والتَّضَرُّع مُمَثَّلاً في كتابة "تعويذة" تتخذها الذات- التي تحكي عن نفسها، ويحكي عنها النص أحيانًا بالغياب- دريئةً لها من شيءٍ ما، من خوفٍ ما؛ فَتُرَشُّ حولها المياه الصافية، مَرْضاةً لتلك القوى العليا المهيمنة، وتقدمُ أعوادُ الشيح- طيبِ الرائحة- قُرْبانًا يُلْقَى به إلى "قلب" النخلة، على ما يمكن أن توري إليه مفردة القلب هنا؛ فهو الوسط من النخلة والمركز، وهو عمومًا القلب، حيث المشاعر. القُرْبان مُقَدَّس، ومكان تَلَقِّيه لا يَبْعُدُ عن هذا.
لقد عَبَد الإنسانُ الأوّل الشجرة أو النخلة(16)، وتبقى النخلة في الثقافة العربية على وجه الخصوص قطبًا متفردًا ينازع سائر أنواع الأشجار الأخرى حضورها، وسطوة ذيوعها، حتى لَتَبْدو قسيمًا لها، وكأنها ليست نوعًا منها.
        عَبَد الإنسانُ الأوّلُ النخلةَ، ولم تكن عبادته موجَّهَةً إليها بذاتها، بل توجهت نحو الروح الكامنة فيها. وهذه الروح هي ما يأخذ بلب الشاعر وتملك عليه أقطاره، فيؤنسنها شكلاً وموضوعًا، وعندما تلْبَسُ: النخلة "ثوبًا بنيًّا محروقًا" يريد أن يذهب "إلى السوق"، ويشتري من أجلها "أرواب زينة، وأضواء مبهرة". وهو مجاز قد يدفعنا إلى استعارات قد تبدو مجانيّة؛ فأي (نخلةٍ/ أنثى) أو (أنثى/ نخلة) تلك المشغولة بانتظار أرواب الزينة؟ لكن، هنا تمامًا نلمس أطراف الخيط عندما يعود بنا النص إلى أبعاد أسطوريّة عميقة للنخلة، حيث لا تنفصل في رمزيتها بعامة عن دلالة الزينة[VII].
        ويعود بنا النص أيضًا إلى ممارسات عربيّة تدور حول النخلة بوصفها شجرة الميلاد والعائلة. فقد قَدَّست العرب بعض النخلات، كنخلة يقال لها "ذات أنواط" و"نخلة نجران" التي اختصوها بِجُمْلَة من الأعمال الطقوسيّة كالاحتفال بها في مواسم معلومة، والذبح عندها، وتعليق الأثواب والأسلحة، والحلي عليها(17).
وعلى الرغم من اختفاء الاحتفاء بالنخلة بوصفها معبودًا عربيًّا قديمًا إلا أن طقس الزينة السنويّة، وتعليق الملابس النسائية عليها خلال الاحتفالات الموسمية بها مع الطرح والتلقيح- ظل متواترًا في مصر حتى العصر الفاطمي والمملوكي.
ومن التماس مع عشتار، إلى العبادة القديمة، ومع ولادة المسيح تحتها- تضحى النخلة في الوعي الشعبي وكأنها رَبَّةً للخصوبة والولادة، حاضنةً للنساء المتعبات ساعة الوضع، تهونها عليهن، وتُسَهِّل ولاداتهن المتعثِّرة، تقصدها الراغبات في الأمومة الحالمات بوعد الزواج والإنجاب:
                ”لن تستطيع أن تقص على صاحبها
                قصصًا أخرى عن النساء
                اللاتي احتمين بظلها
                وتعرين لنسمات الصيف الطريّة
                ولا عن الغمزات المخجلة
                التي تركتها العذراوات
                في الأماسي المقمرة“
        والنص على طوله يستدعي الاعتقاد القديم بتجسيد الشجرة لروح الخصوبة. ولكنه لا يقف من التراث الشعبي أو من فكرة الخصوبة فقط عن هذا الحَدّ، بل نجده يتماس مع ما تحدثنا به الأغنية الشعبية عن "طالع الشجرة"(18)، مع ما بين النصين من تفاوت في مستوى اللغة بين والفصحى العاميّة، وتفاوت إيقاعي بين نصٍّ شعبي مُفْعم بالإيقاع وآخر يَتَخلّى عن العروض ويخفت الإيقاع فيه، إلا أن غِنى الدلالة والتخييل يظل جامعًا بين النصيين، حيث تظل الشجرة والنخلة مصدرًا للخير المُنْتَظَر الذي هو وجود كامل وحقيقي في نص الفصحى، و"بَقْرة" في الأغنية الشعبية، التي لا يفارقنا حليبها في النص الفصيح:
                ”سكب في قلبها حليب أصابعه“                      س(13).
أو مشبهًا به طلعها الأبيض:
                ”كان طلعها الأبيض تذكارًا
                موشومًا على قلبه“                             س(10،9).
ويمثل فعل "الصعود والارتقاء" التيمة الأساسيّة الجامعة بين النصين، فضلاً عن تشابه النهايات، فالترنيمة الشعبية المغرقة في بساطتها، المتخمة بالتخييل والرمزيّة ”ظاهرها الفرح، وباطنها موجع إلى حَدّ الأسى والانكسار“(19)، حيث لم تُدرك الذات مطلبها؛ فالملعقة انْكَسَرَت. فاتها الخير، ولم تُدْرك منه أقل القليل.
ولعلنا نقف على تقاطعات عِدَّة للبقرة في الموروث الفرعوني مع النخلة في الموروث العربي والأسطوري العام، حيث كانت البقرة "حتحور" تمثل الروح الحيّة للأشجار، وكانت "الحتحورات السبع" أشبه بالجنيات اللواتي يقررن مصير الطفل عند مولده(20). وفي المقابل كانت الولادة المقدسّة للمسيح تحت نخلة، وتؤمر مريم بأن تَهُزَّ إليها بجذعها؛ فيسّاقط عليها رطبًا جنيا.
وكذلك تأخذ العلاقة بين البقرة والنخلة خصوصيةً فريدة عندما يرتبط كل منهما بالموت؛ فحيث كانت البقرة في "منف" حارسة جبل الموتى(21) وجدنا سعف النخلة في التصور الشعبي الإسلامي يوضع على قبورهم ليقيهم شَرَّ الحساب والعذاب، وما كان السعف في يد رجلٍ أو امرأة في العصر المسيحي إلا دليلاً على شهيد حقق النصر الأعلى(22) وإلى جانب الشهادة كان النصر، حيث كان أيضًا شعارًا دائمًا على النصر، وما إمساك المسيحيين بسعف النخيل يوم الأحد إلا تذكيرًا بدخول المسيح أورشليم ظافرًا.
(‌د)           الذكورة/ الأنوثة:
أشرنا إلى أن الشكل الفيزيائي للنخلة يمدنا بأساس قوي لبناء استعارة النخلة بوصفها "أنثى"، وهي استعارة ترفدها الإحالة اللغوية إلى النخلة بوصفها "مؤنث". ولعل تصورها بوصفها أنثى هو ما يفتح الباب لوفرةٍ من الاستعارات التفصيليّة المرشحة لهذا التصور، والتي تتدفق عبر النص. غير أن عوامل أخرى تدخل لتعميق هذه الترشيحات وإزاحتها إلى طرق غير معتادة كاسترفاد النصوص التراثية المميزة والمُؤسِّسة للتصورات الثقافيّة العامة حولها، على نحو ما يستعير تعبيرَ النبي r عن النخلة بوصفها "عَمّة" أو "أخت أبٍ".
        ويفتح علينا تصور النخلة بوصفها "عَمّة" أفقًا تخييليًا واسعًا لتأمل علاقات الذكورة والأنوثة، واشتجارها عبر هذه الاستعارة، أو عبر الاستعارة الأخرى التي تبدو حَلاًّ لها؛ توازيها ولا تساويها: "أخت الأب"، خاصّةً عندما تعود بعلاقة الأبوّة إلى آدم. فالعَمّة تمثل طبيعة "الأنثى" بما هي كائن بيولوجي، اجتماعي، نفسي.وتمثل أيضًا علاقات "الذكورة" بما هي نَسَب اجتماعي، وانتماء عائلي، وهويّة قَبَلِيَّة[VIII].
        ويفاجئنا النص بما يَنْقُض تَرَاتُب علاقات (الذكورة/ الأنوثة)، يقول:
                ”لكن الغيمة المارة على رأسها لم تَدُمْ طويلا
                وقعت برأسها على الصاعقة
                لَبِسَتْ بَعْدها ثوبًا بُنِّيًّا محروقَا
                وَفَقَدَت أنوثتها الطاغية
                هي الآن ذكر نخيل لا ينْبَس“                          س(64:60).
فإذا كانت المرأة- فيما يرى البعض- تُصَوَّرُ عند "فرويد"- طبقًا لمفهوم الجَسَد القضيبي، أو الغِيرة من العضو الذكري Penis Enuy- بوصفها "رجلاً ناقصًا"، وهو الأمر الذي عُدَّ أحيانًا تَصَوُّرًا مُنْطويًا على امتهانٍ لها، فإن النص ينتصر للأنثى (الأم والمعشوقة)، من حيث يصور الذكر بوصفه "أنثى ناقصة"؛ لقد ضَرَبَتْ الصاعقةُ النخلة الأنثى فَصارت ذكرًا. فـ(الذكر= مَسْخ الأنثى)، حيث الصاعقة على الدوام عقاب من الله أو القوى العليا في الوعي الديني والأسطوري. وكما كان الإنسان قديمًا يعتقد في مغادرة الروح للشجرة عندما يلحقها أذى فإن النخلة هنا تفارقها أنوثتها عندما تضربها الصاعقة.
        ويمكن لنا أن نتساءل هنا أيضًا: هل تُقَدَّم الذكورة بوصفها خِصاءً للأنوثة، (الذكر= خصي الأنثى)؟ أم تعود الأنوثة هامشًا على الذكورة، تزول؛ فتبقى من النخلة ذكورتها؟ ولكن الذكورة حينئذٍ وجود ناقص، مجرد "ذكر نخيل لا يَنْبَس".
        ولعل اعتبار الأصل في النخلة الأنوثة لا الذكورة عودة للوعي البدائي الأمومي، الذي يجعل من العائلة بشكلها الأبوي القائم ليست أقدم أشكال المجتمع الإنساني؛ إذ يَسْبِقُها شكل لا يقوم على قيم الذكورة وسلطة الأب، بل على قيم الأنوثة، ومكانة الأم، حيث تبلور التجمّع الإنساني الأوّل تلقائيًّا حول الأم التي شدت عواطفُها وحدبها الأبناءَ حولها في أوّل وحدة إنسانيّة متكافئة هي العائلة الأموميّة، خلية المجتمع الأمومي الأكبر(23).
        وهل تعيدنا النخلة على هذا النحو إلى آلهة أنثى كبيرة هي الأم- الأرض، التي كانت مركزًا للحياة الروحيّة، فيما قبل الثقافات الذكوريّة- التي شهدت صعود الآلهة الذكور- والتي ظَلَّتْ مُخْتَرَقةً حتى في أعتى أشكالها ذكوريّةً بمثل هذه الآلهة الإناث؟ أم تعيدنا إلى حالةٍ أوُلى للوجود الكوني، بعيدًا عن هذه الثنائية؛ حيث النخلة هما معًا (الذكر والأنثى)؟ أم تَدْفعنا للتساؤل حول واقع هيمنة إحداهما على الآخر لِنُعِيْد وضع المسألة وضعها المناسب الصحيح، بعيدًا عن هيمنة الذكر وتَسَلّطه، حيث الذكر أبدًا لا يُخْضِع الأنثى، بَلْ يَعْرٌج إليها على نحو ما كانت الذات في المقطع الأوّل من النص.
        وفي مقطع آخر س(59:48) تُسْقط النخلةُ "بلحة" غليظةً على "أنف" القاضي، الذي "يَنْتَفِض"، و"يَأسَف" على "وقاره"، لكنه يعود فـ"يقهقه" لأول مَرَّة في حياته.
قد يبدو الأمرُ مُداعَبَةً أو مشاكسةً أو "هَزَرًا" كما يقول النص. ولكنه فعل ”ينطوي على معنى آخر يتجاوز خِفّة الظل عندما يأخذ معنى (التمرد) و(نقد السلطة، ممثلةً في هذا القاضي الذكر الذي يأتي رمزًا على النظام الأبوي، والوصاية الذكوريّة على الحُكم بالحق، والتكلم بلسان العدل؛ فتستخف بما يَتَلَبَّس الذكور من تقاسيم العقل والحكمة الراسخة والخبرة المزعومة والثقة.
وإذا كان "الوجوم" معنىً ذكوريًّا فإن الأنثى تتخذ من "الهشاشة" و"المداعبة" معنى أنثويًّا لفضح هذا الوجوم الكاذب؛ وحينئذٍ تُحَجِّمُ الدعابة والمشاكسة- التي تتخطى بها الأنثى قواعد السلوك الاجتماعي- هذا النظام المفرط في صرامته المظهريّة، وتخلخله: ”تُضيع وقاره وتجعله يَنْتَفِض“.
        ويتمثل القاضي الموقف عبر الاقتباس القرآني: ”ضَعُفَ الطالِبُ والمطلوب“. ويحيلنا تطابق التماثل بين سياق الآية وسياق النص على معنى "السَّلْب" الذي هو مركز السِّياقَيْن؛ لقد سَلَبَ الذُّبابُ الناسَ (شيئًا) لا يستطيعون استنقاذه منه: }وإن يَسْلُبُهم الذُّبابُ شيئًا لا يَسْتَنْقِذُوه منه، ضَعُفَ الطالِبُ والمطلوب{ (الحج/73)، وسَلَبَتْ النخلةُ القاضي (وقاره)، ولن يستطيع استنقاذه منها، فمهما كان ضَعْفُ المطلوب (النخلة/ الأنثى)، فالطالب (القاضي/ الذّكر) أَضْعَفُ منها[IX].
لقد رافق سقوط الأنوثة عن النخلة دخولها في دورة صمت سوف تكون مؤشرًا على الانقطاع المرافق لغربتها الذكوريّة.
ويبدو الصمت الذي هو فعل إراديّ- خلافًا للعي والحُبْسة- جامعًا بين النخلة وصاحبها؛ فالنخلة:
                ”فقدت أنوثتها الطاغية“                        س(63).
                و”هي الآن ذكر نخيل لا يَنْبَسْ“                       س(64).
أما صاحبها فهو:
                ”يخرج برأسه من الباب إلى الساحة
                يملأ صدره المعطوب بالهواء
                ويعود حسيرًا
                يتوسط ساحة البيت وينظر إلى أعلى
                إلى رأسها
                يريد أن يقول لها يا أخت أبي
                يا عمتي
                لكنه لا يستطيع“                               س(82:75).
النخلة أيضًا:
                ”لن تستطيع أن تقص على صاحبها
                قصصًا أخرى عن النساء
                اللاتي ...“                                     س(71:65).
الصمت هنا ليس طاقة سلبية تعود إلى العجز إزاء قوة خارجيّة تقهرها على الصمت، وإنما فعلُ اختيار مُرٍّ، تعبيرٌ عن حالةٍ من الانهزاميّةِ والبؤس الشديدين؛ لم يدخلها وقوعُ الصاعقة برأسها دورة الصمت، وما أدخلها هو تحولها إلى ذكر أو فقدانها لأنوثتها. شيء من الخجل، وربما من العار والخِزي!
والصمت مع ذكر النخيل من باب (القُدْرة) مع انصراف الرغبة، أما مع الذات فلا ينفصل عن الهزيمة؛ ذكر النخيل "لا يَنْبَس"، والنَبْس: التَّكَلُّم وتحريك الشفاه بشيء، وهو أقل الكلام(24). وأما الشاعر فقد عاد "حسيرًا" من تطلعه إلى النخلة، وهو حال يضرب في الانتظار، والترقّب، واستدامة النظر، والتعب، والإعياء، والرَّهق. في النهاية "الانقطاع"[X] هو المحصلة.
يريد أن يقول لها: "يا أخت أبي، يا عمتي،لكنه لا يستطيع". فهل دخل الشاعر دورة العي بافتقاد النخلة لأنوثتها؟ وهل صمت النخلة/ الذكر، أو صمت صاحبها بديلٌ عن البيان؟ هل فاض الحال عن أن يُعَبر البيانُ عنه؟ فأعجزت سطوةُ الأول قَوّةَ الأخير؟ الصمتُ هنا صمتٌ من فَرْط وجودِ المعنى، صَمْتُ مَنْ اِصْطَدَمَ بفقرِ كلماتِهِ، لا بِفَقْرِه إلى الكلمات.
        وتتحول العلاقة بين الذات والنخلة من علاقة قابلة للانفتاح على الآخرين عبر المشاهدة أو السماع أو المعاينة إلى علاقة خَفِيّة، وتراسُلٍ باطِنيٍّ، لا يُعْربُ فيه كل طرف عن مَنْطِقِهِ، لا يتكلم به، ولا يرويه، ولا يرويه أحدٌ عنه، فالرواة لا يروون سكون الصامتين، ولا يَبيْنُ أيُّ طَرَفٍ عن شيءٍ للآخر، وإنما يبينُ كلٌّ منهما للآخر بحاله- كما يقول الصوفيّة- فصمتُ كلٍّ منهما حينئذٍ هو بيانه الذي انتقل من عبارته إلى ذاته؛ ليبين هو بنفسه عن حاله.
ويتصل بذكورة الرمز/ النخلة وأنوثته أيضًا إلحاح النص على موضعها من البيت:
                -”النخلة في ساحة البيت تميل في دلال“            س(6).
                -”ألقى مياهًا غزيرةً حول ساحتها“                     س(19).
                -”بينما العاشق ضائق الصدر
                يخرج برأسه من الباب إلى الساحة
                يملأ صدره المعطوب بالهواء
                ويعود حسيرا“                                          س(77:74).
                -”يتوسط ساحة البيت، وينظر إلى أعلى
                إلى رأسها“                                             س(79،78).
وإلحاح النص على ذِكر النخلة مقرون بساحتها التي تتردد في النص مَرّات أربع، وقد يكون من السهل التَّفَكّر في المشهد بوصفه مشهدًا (طبيعيًّا) يعتاده البيت الريفي، إلى أن يغدو مألوفًا دون أي جدالٍ، ولكن اعتياده ومألوفيته لا ينـزعان عنه المعنى بأية حال، أو يُفْقِدانه خصوصية الدلالة، إذ ”الأفضية الروتينيّة للمنازل [تحدثنا] عن نوع الممارسات التي تدعمها“(25).
        إن الساحة المكشوفة في البيت الريفي، التي يمكن للنخلة أن تنبت فيها- تمثل علامةً فارقةً بين فضاءين؛ فضاء منغلق مُسَيَّج مسقوف، وآخر مفتوح مكشوف على السماء. يمثل الأول عالم الأسرار الباطنيّة؛ خصوصيّة الأسرة، وعلاقاتها السِّرِّيّة؛ عالم الجنس، والنوم، والولادة، والعزلة، حيث الذات وخصوصياتها وأنشطتها المرتبطة بالظلمة. أما الساحة فتمثل الانفتاح على السماء، على الطبيعة، على المطر، والبرق، والرعد. تمثل أيضًا الانفتاح على الآخرين؛ حيث الأسرة في علاقاتها بالخارج؛ العائلة، والقبيلة؛ حيث علاقات الماضي؛ النَّسَب، والمصاهرة، والتقاليد، وكل ما يمثله هذا الماضي من رصيد يشكل حاضر اللحظة، ومستقبلها. الساحة انفتاح على الأضيافِ، والغُرَباء، والعابرين. الساحة باختصار هي (عالم الذَّكَرِ)، في مقابل (عالم الأنثى).
الساحة (فضاء ذكوري) في مقابل (فضاء أنثوي) هو سائر البيت، ووسطه، وسط هذا الفضاء الذكوري تقوم النخلة لتخلخل بأنوثتها فضاء الذكور:
                ”النخلة في ساحة البيت تميل في دلال
                تلقي سلامًا هنا
                وسلامًا هناك“                                          س(8:6).
والعجب أنها بذاتها تُكرِّس لقيم تغذي بالأساس الثقافة الذكوريّة، من حيث؛ الماضي، والعلو، والشموخ، والظل، وهي كلها مقومات يستهلكها الذكور عبر التأكيد على هويتهم، وقيم الكينونة، من خلال هذه الساحة التي تمثل فضاءهم المختار.
النخلة- هنا- في الوسط من الساحة تمثل- فيما تمثل- قيم الرعاية، والاحتضان، والحدب؛ لقد عَرَفَتْ كيف توسِّعُ من دائرتها الذاتيّة لتحتضن الآخرين؛ تسمح لهم بارتقائها، والنهل من ملكوتها، تبسط حنوها على الجميع، تبثّ بعضًا مما وُهِبَتْ من حياة وخصوبة في الآخرين؛ فتهبهم الخصوبة، والوعدَ بالزواج، والإنجاب، مستجيبةً لهمسات العذارى. كما تصل رحمها الأزلي برحم النساء المتعبات؛ لتسهل عليهن ولادتهن.
        النخلة- هنا- تمثل قيم المجتمع الأمومي الذي يُجَمِّع ويُوَحِّد، لا المبدأ الأُبوي الذكوري الذي يُفَرِّق، ويضع الحواجز، والحدود.
الكل يَجْعَلُ منها أُمّه، وألصق مَنْ حوله به هو، وهو ألصقهم جميعًا بها، ولكنها في اللحظة ذاتها- هي كلها- لكل أحد، ولهم جميعًا معًا.

(‌ه)         النص وأسلافه الشعريين:
يتقاطع النص بكتابته عن النخلة على هذا النحو مع سلفين كبيرين من أسلافه الشعريين، كلاهما رائد من رواد تاريخ هذا الشعر- على الرغم من اختلافه معهما- أحدهما هو امرؤ القيس، أما الآخر فهو أحمد شوقي. وحينئذٍ يتقاطع ما هو نثري مع ما هو عمودي، ويتقاطع نص من موجات التجديد الأخيرة مع ذروةٍ من ذُرى نضجه القديم ممثلاً في امرئ القيس، وذروة أخرى من ذُرى استعادة هذا النضج في العصر الحديث ممثلاً في شوقي، ليدلل النص بهذا التقاطع على أن الشعر حلقة واحدة فمع اختلاف أشكاله، ومع الافتراق العميق بين شعرية نصوص شوقي وشعرية نصوص امرئ القيس وكذلك شعرية نص محمود قرني- ثمة جوهرٌ واحد يجمع بينهما، وثمة حقيقة واحدة، هي الحقيقة الشعرية، التي تتعدد وجوهها، والتي تتجلى في قصائد ونصوص في عصور تتفاوت وتتباعد، ولكنها تظل جميعها معًا على طريقٍ واحدٍ هو طريق هذه الحقيقة. فالشعر جوهر أو هيولا تتلبّس أشكالاً مختلفةً ومظاهر متباينة.
        لقد كانت النخلة في الشعر- على الدوام، فيما أتصور- أفقًا تشبيهيًّا، يمتاح منه التصوير الشعري أحيانًا تخييله حول المرأة- على وجه الخصوص. ولم تكن موضوعًا شعريًا جديرًا بالالتفات إليه، أو الكتابة فيه، وإن أمكن لقراءات حصيفة أن ترى في صورة النخلة في بعض الأحوال معاني ودلالات خاصة، ومتفردة- فإنها أبدًا تظل مشبهًا به. هي على الدوام أفقًا موازيًا لموضوعٍ شعري آخر.
        ويأتي شاعر عظيم مثل شوقي ليلحظ هذا المنحى في الكتابة الشعرية، وليرى في النخلة بذاتها جدارة بأن تكون هي نفسها موضوعًا شعريًّا كبيرًا، تجاهله الشعر العربي، أو غفل عنه، فيقول:
        أليس حَرَامًا خُلُوّ القصا                ئد من وَصْفِكُنَّ وعُطلُ الكُتُب
        وأنْتُنّ في الهاجِراتِ الظلالُ            كأنَّ أعالِيَكُنَّ العَبَبَ
        وأنْتُنّ في البيدِ شاةُ المُعيل                      جَناها بجانب أُخْرى حَلَب
        وأنْتُنّ في عَرَصاتِ القُصور             حِسانُ الدُّمى الزائناتُ الرَحَب(26)
ولكن ملاحظة شوقي- فيما يبدو- كانت أكبر حجمًا مما صاغه لسد هذه الثغرة، على نحو ما كتبه في القصيدة السابق بعض أبياتها.
فأبياته لا تكاد تتعدى الانتصار الموضوعي أو المنطقي للنخلة، بما هي مكون حياتي ذو أهمية في الحياة الماديّة للبشر، فيترجم لهذه الأهمية. وشوقي هنا لا يلتفت إلى النخلة إلا بما هي مكون من مكونات الواقع، لا بوصفها مكونًا شعريًّا تحفل به القصائد، ويُتَّخَذ كيانًا رمزيًا على شيءٍ ما، أو موضوعيًّا بذاته، تحتل فيه قيم التخييل الأدبي صدارة الاهتمام، وغايته الأولى.
النخلة عند شوقي هي النخلة في إحالتها الماديّة، أما النخلة عند محمود قرني فمفتوحةٌ على الرمز، على الأنثى، على التراث، على الآخر، على الكتابة، ... وأيضًا على النخلة ذاتها.
على أن التقاطعات النصية الأكثر كثافة بين نص النخلة ونصوص الشعر القديم الأخرى نجدها مع نصوص امرئ القيس.
        وعندما يحفر النص عند الجذور عائدًا إلى امرئ القيس وشعره عن المرأة- فيما صُنِّفَ تحت مسمى "الغزل"- فإن الأمر لا يتعلق حينئذٍ بشعر يتوجه شكليًا إلى المرأة في حين يرمي لأشياء أُخر، وإنما هو شعر يعود إليها بكليّة مراميه وجزئياتها، وكأنه على هذا النحو يعيدنا إلى بداهة ارتباط الشعر العربي بالمرأة.
        والكتابة مع هذه العودة تغوص على عُنْصرٍ قد يُهَمَّش بشكل دوري في بعض الكتابات التي لا ترى في الشعر إلا رديفًا للسياسي أو الاجتماعي الاقتصادي بما لا ترى معه في مثل الكتابة العربية عن المرأة سوى مساحات من السذاجة والتشاغل بها عما هو أكبر.
        يقول شاكر لعيبي: ”يبدو أن المغامرة باتجاه المرأة لم تَعُد تُشَكِّلُ في الضمير المستتر من الجملة العربية الغامضة، كما كانت في الماضي، مغامرةً وجوديةً، كما لو أنَّ الكينونة الأنثويّة لا تؤخذ على محمل الجَدّ، ولا يجري الإيمان بأنها تستأهل، هي ذاتها، شعرًا يليق بها، ليس بما يحيطها، أو يرضي- فحسب- السعادة المنغلقة على نفسها للذات الشاعرة. لم يكف الخطاب الشعري المعاصر عن استحضار المرأة رمزًا لكل نوع: للوطن، للأمة العربية، للحزب، لم تكن تُخاطب- في الغالب- كجغرافيا آدمية، ككينونة مستقلة، وفضاء خاص“
على أننا نجد افتراقات رئيسية بين نص محمود قرني ونصوص امرئ القيس، إذ:
-  تتحول شبقيّة امرئ القيس ونزواته المتعددة إلى واحديّة متفرّدة عند محمود قرني، دون أن تطالها السذاجة، أو تقتلها المجانيّة.
-  وبينما يركز امرؤ القيس على رجولة (رجل) إزاء الأنثى- يركز الآخر على المرأة إزاء الرجل، على أنوثة الأنثى إزاء (الرجل).
-  نص المعلقة، على سبيل المثال، وليس هكذا نص "النخلة"، تَبْجيْلٌ للذَّكَر المُغْوِي الذي يؤكد في كل لحظة على قدرته الرجوليّة، وجاذِبِيّته الذكوريّة؛ فلا تنفض مغامرة حتى يدخل في أخرى، ولا توحي الجديدة إلا بأنها قد بدأت منذ زمن، وأن هذه اللحظة إحدى لحظاتها الحيّة الدافقة.
ويَبْدو وقد جعلته قُدْراتُه كما لو كان مُتَرَبَّصًا به من قبَل الأُخْرَيات، اللاّتي كُنَّ في انتظاره، أو كُنَّ دومًا على موعدٍ قَدَرَيٍّ معه.
-  نص المعلقة يجعل من حيازة النساء متعةً بذاتها، ولا يَرُدّ على أي علاقة فاشلة إلا بعلاقةٍ أخرى لينفي عطالة شاعرها.
ولكن على الرغم من هذا الاختلاف والتباين هناك مساحات واسعة للتقاطع والاشتباك بين نص "النخلة" والمعلقة:
-  فالوصول إلى الأنثى صعبٌ، بعيد المنال، لا يتأتى إلا عبر طريق "محفوفةٍ بالمخاطر" (س26)، ولا تتصور "المتاهة" (س27) إلا على نحوٍ منه.
وأنثى امرئ القيس أنثى "لا يُرام خِباؤها"(27) ب(22)،تجاوز أحراسًا إليها ومعشرًا عليه حراصًا لو يُسِرُّون مَقْتَله ب(23).
-  وإذا كانت أنثى امرئ القيس امرأة الحذر، أو الخباء، الذي لا يُرام، "يجوز" إليها "ساحة الحي"، وينتحي به بطنُ خَبْت ذي قفافٍ عَقَنْقَل ب(28)، فأنثى محمود قرني امرأة الساحة، امرأة الانكشاف والعلن: "في ساحة البيت تميل في دلال" (س6)، التقاها حيث "كان النهار ربيعيًّا جافًا" (س17)، ودعاها "ساعة إشراق الشمس" (س30)، بينما امرئ القيس يأتيها "إذا ما الثُرَيّا في السماء تَعَرَّضَتْ": أوشكت على السقوط، حيث غفلة الرُّقَباء.
-  وبينما "تتدلل" فاطم على امرئ القيس: "أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل" ب(18)، تميل النخلة "في دلال" س(6)، تلقي سلامًا هنا، وسلامًا هناك.
-  وكما تمتع امرؤ القيس بأنثاه غير مُعجَلِ ب(22)، حيث تَمَهَّل، وتَمكَّثَ، غيرَ خائفٍ أو مُذْعور، أنس الشاعر المعاصر بنخلته/ أنثاه
”دَلّى عراجينها بتؤدَةٍ ولين
فأصبحت امرأةً ذاتَ أرْداف
ساحرةٍ وملونة“                                 س(47:45).
-      وبينما نجد البياض في النخلة/ المرأة، عند محمود قرني، في قلبها وطَلْعها:
”ينام على قلبك الأبيض حتى الصباح“        س(33).
”كان طلعها الأبيض كالحليب تذكارًا
موشومًا على قلبه“                             س(10،9).
كانت الأنثى عند امرئ القيس "مهفهفةً بيضاء" ب(31)، و"بيضة خِدْرٍ" ب(22)، و"كبِكْرِ مُقَاناةِ البياضِ بِصُفْرَةٍ" ب(32).
-  والمياه التي تُلْقي حول الأنثى في نص النخلة، تغذي دُرّة امرئ القيس "غَذاها نميرُ الماءِ غيرَ المحلَّلِ" ب(32)، وأيضًا ذُلِّلَتْ للنخل فخرج أُنْبُوبُهُ (البَرَديُّ الذي ينبت وسط النخل) أيضًا ناعمًا، فكانت ساقا أنثاه كذلك في بياضهما.
-      وعلى حين يشبه امرئ القيس شعر أنثاه شديد السواد في كثافته بـ"قنو النخلة المتعثكل" ب(35) ، ويقول عنه:
"غدائره مستشزرات إلى العُلا          تَضِلُّ المّدارَى في مُثَنَّى ومُرْسَلِ"    ب(36).
يماهي محمود قرني بين أنثاه والنخلة فنرى: شعرًا أخضر يخامر الأصابع س(31)، "يطلع ناعسًا من مخمله" س(32)، إنه أثيثٌ كما لدى امرئ القيس.
-  وكما كانت أنثى امرئ القيس "هضيم الكشح" ب(30)، وكما حَدَّثنا عن "كشحٍ لطيفٍ كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ" ب(37)، كان خصر الأنثى في نص "النخلة" "يشبه خاتم قديسٍ" س(35،34) ولعل تعين الإضافة إلى القديس يحيلنا إلى راهب امرئ القيس، ومنارته:
تضيء الظلامَ بالعِشاءِ كأنها             مَنَارَة مُمْسَ راهبٍ مُتَبَتَّلِ   ب(39)
إذ جعل أنثاه لِحُسْنها وبياضها كالسراج المضيء. ولعل اختيار الراهب أدعى لظهور الضوء للطارقين لعلو صومعته، ولأنه يضيء حيث يطفئ الناسُ نارهم، ولكن لا تخفى مع هذا دلالة الانقطاع والتبتل التي يقرنها كل من امرؤ القيس ونص "النخلة" بحديثه عن المرأة، كل بحسب طريقته.
-      والحب العارم الذي يجرف الشاعر في نص "النخلة":
”استسلمي لذراعي فأنا أحبك حتى النهاية“            س(42،41).
وعندما تحولت النخلة إلى ذكر نخيل أضحى
        ”العاشق ضائق الصدر
        يخرج برأسه من الباب إلى الساحة
        يملأ صدره المعطوب بالهواء
        ويعود حسيرًا“                                          س(77:74).
هو نفسه الحب الذي يتملك امرأ القيس في معلقته:
"وما إن أرى عنكَ العمايةَ تنجَلي" ب(26)، "إلى مثلها يرنو الحليم صبابة" ب(41)، وكذلك قوله:
"تَسَلّت عماياتُ الفؤادِ عن الصبا      وليس فؤادي عن هواكِ بِمُنْسَلِ" ب(42).




[I]  محمود قرني: واحد من أبرز شعراء قصيدة النثر خاصة في مصر الآن، ومن المهتمين أيضًا بالحوار حولها وحول الشعر. نشر للآن خمسة دواوين، هي:
- حَمّامات الإنشاد- أصوات أدبية- الهيئة العامة لقصور الثقافة- مصر- 1996م.
- هواء لشجرات العام- كتابات جديدة- الهيئة العامة للكتاب- 1998م.
- خيول على قطيفة البيت- دار الأحمدي للنشر- 1999م.
- طرق طيبة للحفاة- أصوات أدبية- الهيئة العامة لقصور الثقافة- 2000م.
- الشيطان في حقل التوت- ميريت للنشر والمعلومات- مصر- 2003م. ومنه هذا النص، الذي سوف نشير لسطوره بالرمز (س) .
(1) بول دي مان: العمى والبصيرة. ترجمة: سعيد الغانمي. منشورات المجمع الثقافي. أبو ظبي. 1995م. ص225: 255.
(2)  ب.م.دوبيازي: نظرية التناص. تعريب: المختار حسني.
 [II]ليست ملاحظة التشابه بين النخلة والإنسان من قبيل الملاحظة العابرة، بل تجذرت في الوعي الإنساني بعامة، عندما اعتقد أن ثمة أرواحًا تسكنها، والأمر ليس من باب المجاز، وإنما يعود إلى طبيعة ارتباط الإنسان نفسه بالكون عندما يؤنسن ما حوله. يرفد هذه العلاقة مشابهة النخلة شكليًا للإنسان، وللأنثى تحديدًا. يقول القزويني: ”إنها تشبه الإنسان من حيث استقامة قدها، وطولها، وامتياز ذكرها عن أنثاها، واختصاصها باللقاح. ولو قُطِعَ رأسُها هلكت، ولطلعها رائحة المني، ولها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها. والجُمّارُ الذي على رأسها لو أصابه آفة هلكت النخلة، كهيئة مُخ الإنسان إذا أصابه آفة، ولو قطع منها غُصْن لا يرجع بدله كعضو الإنسان، وعليها ليف كشعر يكون على الإنسان“. انظر: القزويني (زكريا بن محمد بن محمود): عجائب المخلوقات. قَدَّم له وحققه: فاروق سعد- دار الآفاق الجديدة- ط5- 1403ه/ 1983م. ص64،63.
والقصيدة تُصَرِّح بهذا التشابه أيضًا:
                   ”نحن متشابهان إلى حَدٍّ بعيد“                                   س(28).
(3) يقوم السحر التشاكلي أو المحاكاتي على أن الشبيه يُنْتج الشبيه، وأن المعلول ينتج علته. ويقوم النمط الاتصالي أو التلامسي على أن الأشياء التي كانت متصلةً بعضها ببعض في وقتٍ ما تظل في علاقة تعاطف بحيث أن ما يطرأ على أحدهما يؤثر بالضرورة تأثيرًا مباشرًا على الآخر، حتى بعد أن تنفصل فيزيقيًا.
انظر: جيمس فريزر: الغصن الذهبي. جـ1- ص142،83.
[III]  في مقابل الكلمة الطيبة/كلمة التوحيد/النخلة باستقرارها في الأرض، وصعودها إلى السماء، تأتي الكلمة الخبيثة/الحنظلة تصفقها الريح يمينًا وشمالا. قال قتادة: ”ما أعلم لها في الأرض مستقرًا، ولا في السماء مصعدًا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة“.
انظر: أبو حاتم السجستاني (سهل بن محمد بن عثمان): كتاب النخل. حققه وعَلّق عليه وقَدَّم له:د.إبراهيم السامرائي. دار اللواء للنشر والتوزيع. مؤسسة الرسالة. ط1-1405ه/ 1985م. ص38،37.
ويصل الإجلال حَدّه في قول السجستاني: ”ومما كّرّم الله- تبارك وتعالى- به أهل الإسلام، وكَرَّم به النخل: أن ليس في بلاد الشِّرْك منه شيء“! السابق ص42.
(4) عن أبي الزبيـر عن جابر عن النبي r قال: ”مَنْ قال سبحان الله العظيم وبحمده، غُرِسَتْ له نخلة في الجنة“. انظر: الترمذي (محمد بن عيسى بن سوره): الجامع الصحيح (سُنن الترمذي). تحقيق: كمال يوسف الحوت. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. المجلد الخامس. ص477.
(5) عن ابن عمر قوله: قال رسول الله r ”إن مِن الشَّجرِ شجرةً لا يَسْقُطُ ورقُها، وإنها مَثَلُ المُسْلِم، فَحَدِّثوني ما هِيَ، فَوَقَعَ الناسُ في شَجَر البوادي، قال عبد الله: ووَقَعَ في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ ثُمّ قالوا: حَدِّثنا ما هِيَ يا رسول الله، قال: هي النخلة“. انظر: البخاري (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) : صحيح البخاري. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- لجنة إحياء كتب السنة. وزارة الأوقاف- مصر- القاهرة- 1418ه/ 1998م. ط4- كتاب العلم- جـ1- ص58.
(6) ابن الشجري (أبو السعادات؛ هبة الله بن علي بن محمد): الأمالي              
                                                                             جـ؟      ص؟     .
(7) عن انس بن مالك: ”أن رسول الله r كان يخطبُ إلى جِذْع نَخْلَةٍ، فلما اتخذ المنبر تَحَوَّل إلى المنبر، فَحَنَّ الجِذْعُ، حتى أتاه رسول الله r فاحتضنه، فسكن، فقال رسول الله r: لو لم أَحْتَضِنْه لَحَنّ إلى يوم القيامة“.
انظر: أحمد بن حنبل: المُسْند. ت: أحمد محمد شاكر. دار المعارف- مصر- 1396ه/ 1950م. جـ4- ص128.
[IV] تختلف هذه القراءة مع قراءة سابقة للديوان ككل، أنجزها الناقد/ صبحي حديدي: ودارت محصلة تعليقه على هذا النص على قدرة الشاعر على: رد اللغة إلى جذورها الغرائزية البكر؛ إذ يخاطب الشاعر في هذا النص أنثى بالفعل، ولكنها من نوع خاص، يَصْعُبُ أن يسْتدعيه البال من الخزين التصويري المألوف، ولعله يَشَقّ- فيما يرى- على ذلك البال المُدَرَّب على أطلاق العنان للمجاز؛ إذ يناجي الشاعر أنثى بالفعل، ولكنها أنثى- نخلة! ويرى أن تقديم النخلة في مجاز العمّة أخت الأب، أو تلك التي تُشْتَرى لها أرواب زينة- تقديمٌ يَنْتَهِك شروط التوافق المُسْبَق، لأن مساحة الدلالة أيًّا كان اتساعها يَنْدُرُ أن تُقَدِّم النخلة على هذا النحو، وهو بهذا يرد اللغة إلى غرائزيتها البَكْر، إلى جذورها الأقل تماسكًّا مع الذاكرة التمثيليّة الناجزة الراسخة في الوعي، والأكثر تشابكًا مع الكامن والغامض والخام وغير المستكشف.
انظر: http://www.jehat.com/ar/default.asp?action=article&ID=6907  وكان قد نشر أيضًا بالصحيفة الالكترونية: الحوار المتمدن - العدد: 1098 - 3/2/2005م.
وهنا لُب الاختلاف معه؛ إذ نرى أن مكمن شعرية هذا النص لم يكن في ابتكار مثل هذه الصيغة الاستعاريّة (كمجاز العمة أو أخت الأب أو شراء أرواب الزينة)، فهي مجازات موروثة سُبق إليها، وإنما مدار الأمر- كما تتواضع الطموحات كثيرًا حتى بعد الإنجازات الكبيرة الشاقة- على توظيفها أو التنويع عليها، لإنتاج إشارياته الخاصة، فضلاً عن دلالة التعامد على نصوص مركزيّة في المخيّلة العربية وإعادة استخدامها.
(8) الجاحظ (أبو عثمان؛ عمرو بن بحر): البيان والتبيين. تحقيق وشرح: عبد السلام هارون. مكتبة الخانجي. ط5- 1405هـ/1985م. جـ1 ص230.
(9) العَجْلوني (إسماعيل بن محمد): كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتُهِر من الأحاديث على ألسنة الناس. أشرف على طبعه، وتصحيحه، والتعليق عليه: أحمد القلاش. مكتبة دار التراث- القاهرة. جـ1-ص196،195.؟
(10) السابق: نفسه.
  [V]بنقل بذور اللقاح من النخلة الذكر إلى أزهار النخلة الأنثى.
(11) د.حسن الشرقاوي: معجم ألفاظ الصوفيّة. مؤسسة مختار- القاهرة- ط2- 1992م.
(12) فيليب سيرنج: الرموز في الفن- والأديان والحياة. ص297.
(13) شوقي عبد الحكيم: موسوعة الفولكلور والأساطير العربية. مكتبة مدبولي- القاهرة- 1998م. ص665.
(14) شوقي عبد الحكيم: السابق. نفسه.
[VI]  تقول عشتار عن نفسها:
                   ”أنا الأول، وأنا الآخر
                   أنا البغي، وأنا القِدِّيسة
                   أنا الزوجة، وأنا العذراء
                   أنا الأم، وأنا الابنة
                   أنا العاقِرُ، وكُثْرٌ هم أبنائي
                   أنا في عُرْسٍ كبير، ولم أتخذ زوجًا
                   أنا القابلة، ولم أُنْجِب أحدًا
                   وأنا سُلْوَةُ أتعاب حَمْلي
                   أنا العروس وأنا العريس
                   وزوجي من أنْجَبَني
                   أنا أم أبي، وأخت زوجي
                   وهو مِنْ نَسْلي“

انظر: فراس سواح: لغز عشتار؛ الإلوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة. دار علاء الدين. ط7- 2000م. ص7.
(15)  فراس سواح: لغز عشتار. ص152.
(16)  انظر: جيمس فريزر: الغُصن الذهبي. الهيئة العامة لقصور الثقافة- سنة  ؟    -الجزء الأول- الكتاب (2). فصل عبادة الشجر.
[VII] كانت دلالة الزينة عنصرًا محوريًّا في رمزية النخلة عند قدماء المصريين ومن تبعهم في ذلك ممثلاً في سكان حوض المتوسط، وبخاصّة الإغريق والرومان.
انظر: فيليب سيرنج: الرموز في الفن- الأديان- الحياة. ص298.
(17) انظر: - ابن هشام (محمد بن عبد الملك): السيرة النبويّة. تحقيق: مصطفى السقا وآخرين. الناشر: مصطفى البابي الحلبي. ط2- 1375هـ/ 1955م. جـ1 ص33.
          -ويقول ياقوت الحموي ناقلاً- فيما يبدو- عن ابن هشام: "وكان أهل نجران يومئذ على دين العرب، يعبدون نخلة لهم عظيمة، بين أظهرهم، لها عيد في كل سنة، فإذا كان ذلك العيد، علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء". انظر: ياقوت الحموي (شهاب الدين؛ أبي عبد الله): معجم البلدان. دار صادر/دار بيروت 1404هـ/1984م. المجلد الخامس. مادة (نجران). جـ5 ص266.
          - د.محمد عجينة: موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالتها. دار الفارابي. بيروت/العربية محمد علي الحامي للنشر والتوزيع- تونس. ط2- 1994م. جـ1 ص274.
(18) تقول الأغنية:
                   يا طالع السَّجرة
                   هات لي معاك بَءَرَة
                   تِحْلِبْ وتِسْئِيْني
                   بالمَعْلَءة الصيني
                   والمَعْلَءة انكسرت
                   يامِيْن يَربِّيْني
                   دَخَلْت بيتَ الله
                   لءِيْت رسول الله
                   بيْزَغّط في حَمام أخضر
                   يا ريت أنا دُءتُه
انظر: د.صابر العادلي: يا طالع الشجرة. مجلة الفنون الشعبيّة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- العدد 57،56- يوليه/ ديسمبر 1997م. ص54:41.
(19)  د.صابر العادلي: يا طالع الشجرة. ص43.
(20) جورج بوزنر (وآخرون): معجم الحضارة المصرية القديمة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط2- 1996م. ص130.
(21)  جورج بوزنر: السابق: نفسه.
(22)  فيليب سيرنج: الرموز في الفن- الأديان- الحياة. ص297.
[VIII] ومن عَجَبٍ أن مقولة النوع اللغوي تقضي على "النَّخْل" بأنه مما يُذَكَّر ويؤنث؛ فأهل الحجاز يُؤَنِّثونه؛ ففي التنـزيل: }والنخل ذاتُ الأكمام{ (الرحمن/11)، وأهل نجد يُذَكرِّون، قال الشاعر: ”كَنَخْلٍ من الأعْراضِ غَيْرِ مُنَبَّقِ“ انظر: الزبيدي (محمد بن محمد بن محمد): تاج العروس من جواهر القاموس. مكتبة الحياة- بيروت- 1966م. مادة: (ن.خ.ل).
حتى "النخلة" مفردة لا تحولُ تاء التأنيث دون وصفها في ظل مقولة النوع الطبيعي بالذكورة؛ فكما نجد "النخلة" نجد "النخلة الدّكر" كما تقول العامة، فضلاً عن "ذكر النخيل" كما بالنص.
لقد وقع الشاعر على دالٍّ كما يتقلّب مدلوله في الذكورة والأنوثة، يتقلب هو أيضًا في التذكير والتأنيث.
(23)  فراس سَوّاح: لغز عشتار؛ الإلوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة. دار علاء الدين. ط7- 2000م. ص32،31.
[IX] يقول الجاحظ تعليقًا على الآية الكريمة: ”إنما قَرَّع الطالبَ في هذا الموضع بإنكاره وضَعْفه، إذ عَجَزَ ضَعْفُهُ عن ضَعْفِ مطلوبٍ لا شيءَ أضْعَفَ مِنه، وهو الذُّباب“
انظر: الجاحظ (أبو عثمان؛ عمرو بن بحر): الحيوان. تحقيق وشرح: عبد السلام هارون. المجمع العلمي العربي الإسلامي/دار إحياء التراث العربي.ط3- 1388هـ/1969م. حـ4 ص37، 38.
(24)  الزبيدي: تاج العروس. مادة (ن.ب.س).
[X] يقول المعجم: حَسَرَ البَصَرُ يَحْسِرُ: كَلَّ وانقطع نَظَرُهُ مِنْ طُولِ مَدَىً. وبَصَرٌ حسير: كليل. وفي التنـزيل العزيز: }يَنْقَلِبُ إليكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حسير{ ( الملك/4). قال الفَرّاء: يريد ينقلب صاغرًا، وهو كليل، كما تَحْسر الإبلُ إذا قُوِّمَتْ عن هُزالٍ أو كلالٍ. ثم قال: وأمّا البَصَرُ فإنه يَحْسِرُ عند أقصى بلوغ النظر. انظر: الزبيدي: تاج العروس. مادة: (ح.س.ر).
(25) مايك كرانغ: الجغرافيا الثقافية؛ أهميّة الجغرافيا في تفسير الظواهر الإنسانيّة. ترجمة: د.سعيد منتاق. عالم المعرفة- الكويت_ العدد 317- يوليو 2005- ص47.
(26)  أحمد شوقي: ديوان شوقي. توثيق وتبويب وشرح وتعليق: د. أحمد محمد الحوفي. دار نهضة مصر للطبع والنشر. القاهرة.جـ1 ص47.
وتجدر الإشارة إلى بعض النصوص المتفرقة، على نحو قصيدة الأمير الصنعاني، التي مطلعها:
نظم هـــو الدر إلا أنه كلــم                        

أو أنه النور تخفى عنده الظلــم
والتي يحكم فيها في المفاضلة بين العنب والتمر، ردًا على قصيدة راسله بها أحد أصدقائه. وفي قصيدته نسمع جدال كل من العنب والنخل وحكمه بينهما. ومنها قوله:
هل قال ربي هزي الكول من عنب

أم قال هزي بجذع النخل لو فهموا
وقد علوت على الأشجار لا أحـد

ينالني منه بالأيــــدي ويستلم
وأنت تحتاج للأعواد من حطــب


ترقى بها حيث لا ساق ولا قــدم


­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­
انظر: الأمير الصنعاني (محمد بن إسماعيل الأمير الحسيني الصنعاني): ديوان الأمير الصنعاني. قدَّم له وأشرف على طبعه: علي السيد صبح المدني.مطبعة المدني. القاهرة. ط1- 1384هـ/1964م.
(27)  انظر: ديوان امرئ القيس. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. ط4- دار المعارف.مصر.
وإلى المعلقة فيه تعود أرقام الأبيات في الدراسة التي نشير إليها بالرمز (ب).

عاجل | إعتصام وزارة الثقافة | وصل منذ قليل .. وزير السياحه الأسبق الدكتور منير فخرى عبد النور , و المخرج السينمائى الكبير الأستاذ على بدرخان , و وفد من العسكريين المتقاعدين .

Posted by غير معرف | | Posted in ,

وصل منذ قليل .. وزير السياحه الأسبق الدكتور منير فخرى عبد النور , و المخرج السينمائى الكبير الأستاذ 

على بدرخان , و وفد من العسكريين المتقاعدين .


عمرو خالد من المستشفى رجاء الدعاء

Posted by غير معرف | | Posted in


اللهم اكتب له الشفاء ....الدكتور عُمر خَالدْ ....

اللهم أشفي جميع مرضى المسلمين


مفتشو مديرية التموين بدمياط تضبط 20 الف لتر سولار

Posted by غير معرف | | Posted in ,


برقية شكر من وزير التموين لمفتشى تموين دمياط
بعث باسم عودة وزير التموين برقية شكر إلى السيد السؤالى مدير عام التموين بدمياط وجميع العاملين بمديرية التموين على جهودهما فى ضبط المركب المخالفة الذى تم ضبطه منذ أيام أثناء قيامة بتهريب السولار.

حيث قام مفتشو مديرية التموين بدمياط بتحرير محضر رقم 11399 ضد المركب أحمد بلال للاستيلاء على كمية سولار مقدارها 19550 لتر والتصرف فيها فى غير الغرض المخصص لأجله وتم مطالبته بسداد فرق سعر يقدر بمبلغ 66.656 ألف جنيه لصالح الدولة.



محمود قرنى | سيرة شخصية

Posted by غير معرف | | Posted in ,




سيرة شخصية
ـ محمود قرني
ـ من مواليد مدينة الفيوم / مصر 1961 ويقيم بالقاهرة .
ـ حاصل علي درجة الليسانس في القانون من جامعة القاهرة 1985
ـ أصدر عددا من  الدواوين الشعرية منها :
             ـ حمامات الإنشاد   هيئة قصور الثقافة   1996 م
-         خيول علي قطيفة البيت  دار الأحمدي للنشر  1998م
-         هواء لشجرات العام    هيئة الكتاب      1998م
-         طرق طيبة للحفاة  هيئة قصور الثقافة   2000م
-         الشيطان في حقل التوت دار ميريت للنشر 2003
-         الشيطان في حقل التوت ط2 مكتبة الأسرة 2009
-         أوقات مثالية لمحبة الأعداء  ميريت للنشر والترجمة  2006
-         قصائد الغرقي   دار التلاقي للنشر  2008
-         قصائد الغرقي  ط2 خاصة 2010
-         لعنات مشرقية دار الأدهم للنشر والتوزيع 2012
ـ عمل بالمحاماة والصحافة وهو المحرر الثقافي لجريدة القدس العربي مكتب القاهرة .
ـ شارك في العديد من المهرجانات الشعرية العربية والدولية
ـ أسس مع آخرين  ملتقي قصيدة النثر بالقاهرة  لدورتين متصلتين في 2009 ,2010  بمشاركة أكثر من أربعين شاعرا عربيا .
ـ أسس جماعة شعراء غضب المعنية بقصيدة النثر التي أقامت عددا كبيرا من الفعاليات بنقابة الصحافيين المصرية .
ـ أسس مجلة مقدمة المعنية أيضا بقصيدة النثر التي لازالت تصدر حتي الآن .
ـ نشر عشرات المقالات حول الشعر  والسياسة والرواية والنقد الأدبي والفنون التشكيلية
ـ شارك في عضوية مجلس أمناء مركز أحمد شوقي وبيت الشعر التابعين لوزارة الثقافة ثم استقال منهما .
_ شارك في تأسيس مجلة الكتابة الأخري المستقلة التي تصدر منذ مايو 1991  وحتي الآن
_ شارك في تأسيس مجلة العصور الجديدة التي كانت تصدر عن دار سينا للنشر في نهاية التسعينيات .
ـ عضو أتلييه القاهرة للكتاب والفنانين
ـ عضو اتحاد كتاب مصر


البريد الإليكتروني :
Mkorany2010@gmail.com



أسئلة الشعر مع : محمود قرنى حاوره : البهاء حسين

Posted by غير معرف | | Posted in ,


أسئلة الشعر  

                                                             مع : محمود قرنى
                                                          حاوره : البهاء حسين 




يخلص محمود قرنى للشعر إخلاص محتسب. تراه يدب فى الشوارع من الصحافة إلى تجريب السياسى الهاوى بداخله إلى القصيدة بخطى مازال يمسها الشغف بإصلاح العالم. لهذا لم تطلق قصيدته القضايا الكبيرة. محمود ببشرته السمراء ،بحصته من المرض, حصاة صلبة كقصيدته التى تبحث عن نفسها داخل شخص ومجتمع مأزوم. محمود متمسك بالكتابة كحيلة للتأقلم, للمواجهة, أكثر من ذلك يؤمن مع كافكا, أن الكتابة «ضرب من الصلاة», وان كان شعره يؤمن بالإنسان فقط, بالأرضى.. بالحقائق الماثلة التى تلمسها اليد, لا بالميتافيزيقى, لأن الإنسان, بالنسبة له ميتافيزيقيا كافية.
فى جلساتنا القليلة يأخذنا الكلام إلى ما بيننا من اختلاف حول هذه النقطة, وإن كنا ننصرف سريعاً إلى النميمة عن الأوغاد إلى أن تأخذنا القصيدة التى كثيراً ما نلتقى عليها. محمود يعول على الزمن, على طريقة «يناضل أيضا من يقعد ينتظر», وفى قعوده يكتب مشروعه الآخذ بانجاز نفسه منذ «حمامات الإنشاد» 1996, إلى «قصائد الغرقى» الصادر منذ فترة. وقد سألته بهذه المناسبة: ألا توافقنى الرأى على أن تجربة جيلك تم التشويش عليها، إما من غير الموهوبين فى هذا الجيل، أو من قبل مؤثرات أخرى؟. فمسد شعره الأكرت الذى لم يشب بعد وقال:
- سؤالك يعيد إلى الواجهة عددًا من الالتباسات التى أحاطت بما يسمى بجيل الثمانينيات، وهى التباسات ترتبط بالظرف السياسى العام بأكثر من ارتباطها بالشعر نفسه.. وإن بدت الأزمة - فى الواجهة - على غير ذلك، إلا أنها تشير إلى ملاحظة أساسية هى أن بداية حقبة الثمانينيات كانت قد شهدت انفراطًا سياسيًا كاملاً للجماعات السياسية والتكتلات اليسارية تحديدًا، وورث الجيل لائحة 1979 التى قضت على العمل السياسى العام فى الجامعة، وتنامت الحالة الفردية وتجلياتها مع الجيل حتى الآن، وهى الحالة التى قضت على كل احتمال للالتفاف حول أية مقولات تستعيد الشعار السياسى وتحتمى به، وإن كان ذلك أفاد الشعر من ناحية إلا أنه أضر بالشعراء من نواحٍ عدة، لاسيما على مستوى القدرة على التكتل والعمل العام.
فقد كان معظم شعراء الجيل يناهضون الشعرية السبعينية بسبب ما وصلت إليه من تعسف جمالى واستغلاق تميزت به القصيدة الرؤيوية، وهو ما كرّس للعديد من العداوات بين شعراء طالعين يملكون الكثير من البراءة أمام شعراء مدربين ومحنّكين كانت لديهم القدرة على التصنيف فى إطار مرجعي، أيديولوجى أحياناً، ومتواطئ فى معظم الأحايين.
كان الشعور العام لدى شعراء هذا الجيل أن ثمة عودة مطلوبة، بل حتمية، إلى ما يمكن تسميته بجوهر الشعر دون الإغراق فى إسراف ألعاب الشكل، وما رسخت له حداثة المعامل اللغوية لدى باختين وتشومسكي، وهى الحداثة التى تم نقلها بعماء يثير الأسى، لكن هذا الاعتقاد لم يتحول أبداً إلى مقولات جازمة، ومع ذلك استطاعت النماذج الأولى لجيل الثمانينيات - وإن جاءت متأثرة بالمرجعية الستينية - أن تقدم نصًّا لا يقيم اعتباراً كبيراً للمرجعية السبعينية، وهو ما كشف عن هوة كبرى بين جيلين من المفترض تلاصقهما، وهو الأمر الذى خلّف لنا حربًا خارج أية معايير أخلاقية ما زلنا نعانى من بعض آثارها حتى يومنا هذا، رغم أن معظمها يقع خارج الشعر.
لكننى أؤكد لك أن سؤالك كان بالفعل أكثر صدقية قبل عشر سنوات من الآن، لكن بقاءه حتى اليوم يعنى أنه يسرى مسرى الشائعة.. فقد تغيرت الخارطة كلية، وحدث ثمة فرز يقترب إلى الموضوعية بالنسبة للحقبة السبعينية والثمانينية أيضاً، وأصبحنا الآن نستطيع الإشارة بشيء من الوضوح إلى شعراء بعينهم دون أن نخشى الخذلان.
• المشهد الشعرى الآن مشوش أيضاً، كيف ترى أنت هذا المشهد؟
- التشوش الحادث فى المشهد الشعرى حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنها يجب ألا تجرّ خلفها مزيدًا من مصمصات الشفاه، فثمة غرض - غالباً غير نزيه - يقف خلف مثل هذه المقولات. غير العارفين بالمشهد وأعداؤه يقولون عادة هذا الكلام. فعلينا أن نتأمل أوجاع القصيدة من داخلها قبل الانجرار خلف من يريدون قيادتنا إلى مزيد من الحُلكة.
قصيدة النثر الآن تمتلك أكثر أدواتها، وقد تجاوزت بالفعل التأسيس الأول، بحيث بات الآباء الأوائل غرباء عليها، وأثق فى أنك تعرف ذلك وتحب - مثلى - عدداً لا بأس به من تجارب شعرائها.
غير أن السؤال يمكن قراءته من داخل المشهد بشكل أكثر دقة على مستويين:
المستوى الأول يرتبط بالغوغائية المحيطة بحداثة المشهد وكثرة مريديه وعشاقه والحالمين بأن يكونوا جزءًا منه، وهو مطمح وإن كان مشروعًا، إلا أنه ليس من سبيل إليه سوى طرح منجز موضوعى يمكن الاحتكام إليه، وهو أمر يستحيل توافره للكافة.. ومن ثم فإن أدعياء المشهد يصبحون جزءًا من هذا التشوش، وعدد لا بأس به من المتحدثين عنه لا ينأى دورهم عن هذا الوصف، دون أدنى ظلم لهم. لكن هذه الغوغائية سمة تاريخية صاحبت صعود الأجيال الشعرية عبر التاريخ، وقد ساعد على نمو هذه الأوشاب عجز الحركة النقدية عن موالاة متابعتها لصناع الشعرية الجديدة والنماذج المؤثرة فيها، وأضف إلى ذلك وصول الشعر إلى أقصى حالات عزلته، بحيث بات الحديث عنه على المنابر الإعلامية أمرًا مرذولاً وغير مرحَّب به.
المستوى الثانى يرتبط بالأول بشكل ما، وإن كان يعنى بالنص من داخله. فقصيدة النثر الجديدة صاحبها الكثير من التلفيق وسوء الفهم من الشعراء أنفسهم، وحدث نوع من الترويج والصعود الكاذبين للنموذج الذى ولد مرتبطًا بالمرجعية البيروتية التى تمثل مرجعية غربية تأثرت بالرمزية الفرنسية أشد التأثير.. وهذا اعتراف اللبنانيين أنفسهم.
كان الترويج لهذا التوجه يبدو أكثر تلبية لحاجة غير شعرية على الأغلب مثّلتها الرغبة فى نزع الكثير من الخصوصية المحلية أو بمعنى أدق حدث ما يمكن تسميته بـ «الرغبة فى تدويل الرمز المحلي»، وهو ما يقدم نموذجاً أكثر ولاءً لما بعد الحداثة تحت إطار توسيع دائرة الشمول الإنساني.
وكانت هذه القناعة تقف خلف الإهدار الكامل لخصيصة الرمز المحلى والقيمة المكانية بما تحمله من زخم وخصوصية، فجاءت النصوص المكتوبة تحت تأثير هذه القناعة وليدة أرواح مسروقة لأنها تعمل تحت تأثير أقانيم لا تخصها، وتفصلها عنها مسافات واسعة.
أضف إلى ذلك الوعى القاصر بالوظيفة اللغوية وبفهم الشعراء للدور الأدائى أو الوظيفى للغة، ومن ثم إهدار القيمة الوصفية والتخيلية التى يمكن أن تتولد عن مستويات التوتر فى اللغة الشعرية، وقد دفع هذا الفهم نصوصاً كثيرة إلى محرقة المألوف والعادي، وهو ما يخرجها كلية من حقل الشعر بغض النظر عن الشكل الذى تتزيّا به.
لقد وقعنا جميعاً فى خطأ جوهرى هو الاعتقاد بأن حداثة الشكل قيمة فى حد ذاتها، وهو أمر غير صحيح على أى نحو.
من هنا لا يمكننا أن نحول الواقع إلى ضحية للشعراء والشعر معاً.. فمن يستحق الإدانة هو الشاعر الذى يعتقد أنه فوق الواقع.
• لا تبدو قصيدتك، بشكل أو بآخر، بعيدة عن مسألة الالتزام.. قل لي: ما مفهومك عن الالتزام؟
- مفهوم الالتزام مثير لعدة إشكاليات. فأول ما يتبادر للذهن من ميراثه يبدو مرتبطاً بالحقبة السياسية التى أنتجت الدولة القومية ومن ثم أدب الواقعية.
ونحن لا يمكننا - رغم الميراث الشمولى الثقيل للدولة القومية - أن نهدر القيم الرفيعة التى أسس لها هذا الأدب بتياراته المختلفة. فقد كان ماركس يعتبر بلزاك أهم روائيى القرن العشرين بالمطلق، رغم أنه كاثوليكى مؤيد للملكية، وكان ماركس يعول فى رأيه على أن قدرة بلزاك على صوغ الألم الإنسانى للعبيد والأقنان والمرضى والفقراء والمعوذين تتعدى وعيه الفطرى بالبناء الهيراركى للمجتمع المتخلف.
وكانت المشكلة ذاتها، وإن بشكل متأخر، قد حازت الكثير من الجدل المصرى على يد لويس عوض ومحمد مندور اللذين أكدا على الوظيفة الاجتماعية للأدب والفن، وصلاح عبدالصبور الذى أكد على الوظيفة الإنسانية له.
وما بين الوظيفتين، الاجتماعية والإنسانية، تقف العديد من التصورات لمفهوم الالتزام بعيدًا عن ظلال الدولة القومية وميراثها العريض. ولا يمكن للفن نفسه أن يحسم خياراته حيال هذا الحقل النسبى الذى يبدو غائباً معظم الوقت، وإن كان المعنى المثير للتخوفات يبدو أكثر وضوحًا مع أفكار ما بعد الحداثة التى هددت ولا تزال الهويات الضعيفة غير المنجزة أو التى قيد الإنجاز.
لذلك كان محمود درويش والكثير من رفاقه يَصِمُون الشعر الجديد بالمجانية والعدمية، ويعتبرون أن مخاطره الحقة تتمثل فى انجرافه خلف تدويل المعنى الإنسانى والحميم للمكان، بما يعنى من جهة أخرى القول بامتهان الهوية بشكل يصل حد الازدراء.
وإن كنت لا أثق فى قراءة من هذاالنوع المتسرع والمغالى فى محافظته، إلا أننى أستعيد دائمًا عددًا من القيم الرفيعة التى كانت موضوعًا لشعرية شديدة التحرر وشديدة المسئولية. ولدى بريخت الشيء الكثير من هذا، إذ كان يعول دائمًا على ما يقوله الشعر بغض النظر عن درجة إنصات المجتمع وساسته لأنين الشاعر والشعر معًا. وقد كان لوتريامون، الذى قدم نموذجاً أعلى للوعى السوريالي، فى ديوانه «أناشيد مالدرورو» يقول إن الشعر يجب أن يصدر عن الناس جميعاً، رغم أن شاعرًا واحدًا هو من يكتبه. ومن هنا تبدو فكرة المسئولية بالمعنى المجتمعى أكثر وضوحًا فى وعى الشاعر إذا ما ارتبطت بأداته الجمالية.. فهذه الفكرة تحقق أفضل حضور لها فى إطار الخصيصة الشعرية التى يدفع بها الشاعر فى دماء كائناته، تلك العصيِّة على الوصف.. أو التصنيف.
• تصدر عن صوت شعرى هو خليط من النفسي، الأيديولوجي، الأسطوري، واليومى فى آن.. كيف ترى أنت مصادرك؟
- وصفك دقيق لما أعتقد أنه مصادرى الحقيقية لتشكيل النص الشعري.
وتبدو ثمة تناقضات بين أطراف هذا الوصف إذا ما وضعنا اليومى بما يميزه من راهنية، والأسطورى بما يمثله من نوستالجيا وحنين إلى لحظات ضاربة فى ماضويتها، إلى جوار النفسى بما يمثله من شواغل ذاتية تنأى عن الوصفين السابقين وتتميز باعتزاليتها وخفوتها.
وأتصور أن الوصف والتشخيص الشعريين للنص، أى نص، ينطلق من جوهر واحد هو الوعى الفطرى بالمأزق الوجودي، بعد ذلك يأتى دور الوعى المعرفى ليخلص فطريتنا من بدائيتها قدر المستطاع.
وما يراه البعض أوشابًا وتزايدات على صرامة العوالم الشعرية، يمثل أحيانًا النخاع الحقيقى الذى يملك مفتاح الحياة للنص الشعري. فقبل أن نقدس الهياكل العظمية منزوعة النخاع، أقصد منزوعة اللغة ومنزوعة الشعر، علينا أن نحترم فكرة الخطأ الشعري، فالخطأ هنا يعنى مزيدًا من الاحترام لفكرة التخييل التى أهدرها ماضى الشعر العربى جملة.. فالشاعر الذى لايزال يكتب تحت تأثير بداهة ووضوح الصحراء العربية.. بما تمثله من نسق معرفى هو شاعر إما كاذب أو دَعِيّ.. وفى أحسن الأحوال هو نصف جاهل.
فالتراكم المعرفى الهائل، والتداخل الحضارى بما يفرضه من تنوع إنساني، فرض وعيًا مركبًا على الفن بكل أشكاله، ولا أتصور هذا الوعى فى الشعر ينأى عن هذا التداخل الحتمى بين فرضيات تبدو - للوهلة الأولى - متناقضة، المهم فى الأمر أن يدرك الشاعر مساحة التداخل الافتراضية بين عناصره الشعرية، وثمة حتمية لصنع إطار يحكم قناعاتنا بالعناصر الشعرية، فمتى يبدأ اليومى ومتى ينتهي؟! كذلك الأمر بالنسبة للعنصرين الآخرين: الأسطورى والنفسي.
وبالنسبة لى فإننى وجدت نفسي، منذ زمن بعيد-وهذا ربما له علاقة بالتكوينات الأولى التى لا يد لنا فى اختيارها- أذهب عادة إلى الشعر الذى يأتى من لحظة ما فى الماضي، ربما القريب وربما البعيد، لذلك لا أستطيع إكمال قصيدة أو رواية تبدأ فى الزمن المضارع، وستجد شعري، ربما كله، يحتفى بالجملة الاسمية والفعل الماضي، ستجده يحتفى كذلك بالتعيين لا التجريد، وعادة ما أنزع إلى الارتقاء بالكائنات الشعرية لما فوق الواقع، وأزعم دائماً أن هذا هو ما يمنحها سحريتها وخلودها، ويتحقق ذلك أحيانًا عبر انحرافات لغوية، أو عبر غرائبية الطقس الشعرى وربما مفارقته فى القليل من الأحيان.
وفى الإجمال كنت وما زلت أرى أن اتساع المرجعية التى تشكل المصادر الشعرية أقدر على البقاء والتنوع والاستمرار، من تلك القناعات المعقمة حول الشعر.. إنها قناعات تصلح للصالونات التى تتبادل الأكاذيب فى إطار الوجاهة الاجتماعية، لأناس يتبرمون من طبقتهم ويسعون لركلها، وينتجون أشعارًا تنتمى للعالم المخملى الذى يحلمون به، وهذا هو شرفهم!
• هل ثمة تغيير طرأ على دور الشاعر، فى ظل العولمة. ثم ما دور الشاعر أصلاً.. أسألك عن شهوة إصلاح العالم؟
- الربط المباشر بين دور الشاعر فى ظل العولمة ودوره قبلها يحيل إلى قراءة سياسية للعلاقة بين الفن والسلطة أو بين المثقف والسلطة. ولا أظن أن قراءة من هذا النوع ستكون منصفة للشاعر أو الشعر.
أتذكر الآن شعارًا رائعًا دشن به جيل السبعينيات مشروعه الشعرى يقول: «إن الشعر ليست مهمته تقديم وتبنى خطابات الثورة، الفن هو صانع الثورة وفاعلها».
وعلى ما يحمله هذا التصور من رومانسية تعكسها الثقة المطلقة فى قدرة الشعر على تغيير العالم، إلا أن الوجه الآخر له ينفى عن الشعر مهمته التاريخية بتسويغ خطابات السلطة. لقد تجاوز الشاعر هذا الفهم المهين، وارتبط الشعر العربي، مع مشروع قصيدة الشعر الحر، بمفهوم يضمن عهدًا جديدًا للشعر مع القيمة الإنسانية. فرغم تقديس هذا المشروع للمفهوم القومى للأمة بظلاله الفاشية، إلا أنه كان يتجاوز المفهوم الإلهى للحكم إلى الدفاع عن هويات تشكلها الجماعة ويسهر على بنائها الصوت الهادر لشعوب خرجت لتوِّها من عباءة القهر الاستعماري، بعد أن تم التعامل معها، لعشرات السنين، باعتبارها مستوطنات للفقر والجهل والمرض. وظلت مهمة الشاعر - فى إطار المشروع الوطنى ذى البعد التحررى - إضفاء قيمة مطلقة على قاموس جديد فى المرجعية العربية يتمثل فى إعادة الاعتبار لمفاهيم العدل والحرية والمساواة، وهى مفاهيم تفارق المعنى الدينى الذى ارتبط بالحكم الكهنوتى الذى عضّدته المرجعية الفقهية، ومن ثم كانت قصيدة الريادة هى أعلى التجليات الثقافية للدولة المدنية ذات الصبغة العلمانية.
وبانهيار هذا المشروع النهضوى صعدت العولمة التى لا يمكن أن ننزع عنها رغبتها فى إقرار حقوق الأقليات وتعميم المساواة بين المراكز والأطراف، غير أن هذه المعانى ظلت رهن خطاب النخبة الغربية ولم تغادر أدبياته إلى أرض الواقع، وظلت الثقافة التمييزية بين الشمال والجنوب هى العنوان الحقيقى لدولة ما بعد الحداثة.
من هنا فإن الحديث عن الشعر فى ظلال العولمة يبدو ربطًا قسريًا، فليس ثمة علاقة إلا التنافر تربط طرفى المعادلة.
فالشعر - كما قلت - يحتفى بالماضى، والعولمة تولد من رحم ما بعد التاريخ، أى أنها تنكر القيمة الرمزية لهذا الماضى، كذلك فإنها تكرس النمط الاستهلاكى للثقافة ومن ثم فهى تخرجها من كونها إنتاجًا معرفيًّا إلى كونها مادة قابلة للتسليع.
فى هذا السياق فإن الشعر الذى يعى دوره فى طول العالم وعرضه، يقاوم العولمة، لكن قصيدة النثر تعى فى المقابل أنها لا تحارب فحسب دفاعًا عن المفهوم الهويّاتى الضيق، إنها تدافع عن الإنسان أيًا كان موقعه، فى إطار الشرط الجمالى الذى يحتفظ لها بخصيصتها الشعرية.. وهنا تكون القصيدة مضطرة إلى الخفض من خطابها الإنسانى المباشر، الذى يحتمى بالحكمة والبلاغة، ومن ثم يكون الحديث عن تغيير العالم عبر الشعر فيه الكثير من انعدام الثقة.
• إذن وسط هذا الالتباس.. ما الذى يحرض على الكتابة؟
- محفزات الكتابة يمكن التعامل معها باعتبارها التربة التى تتشكل فى رحمها التجربة الشعرية.. بغض النظر عن التجليات التى أحاطت بدوافع الإبداع عبر العصور.
فما يخصنى - بشكل شخصى - فى سؤالك هذا، لا يعنى بالضرورة أهمية ما لمحفزات الكتابة لديّ، بل على العكس من ذلك، فالسؤال يمثل مأزقًا فضائحيًّا لشعراء فقراء يفتقرون إلى القدرة على الاحتفاظ بطقوسهم اليومية البسيطة، وأنا مثل كثيرين من أقراني، أزعم أحيانًا أن الشعر يأتى من الوحدة والتوحد، ثم أضطر لكتابته فى حافلة أو فى مقهى، وأحيانًا ما نضطر لامتهان بعض الأعمال - التى أستأذن قارئى فى وصفها بالوضاعة - دون أن أسميها، ووسط هذه الأعمال نكتب أشعارًا يبدو عمرها أطول من أعمارنا، أو هكذا أعتقد مدفوعًا بثقتى فى الشعر، لذلك لا يمكننى الحديث عن المحفزات الشعرية دون خوف من المسئولية، أقصد مسئوليتى الأخلاقية فى احترام قارئ لا يشغل نفسه بثرثرات أمثالي، وربما بمسوح كهنوت، أتصور أن كشف بعض هذه الحيوات السرية الهشة يعنى أننا نستحضر الشيطان الذى يسكن التفاصيل.. وهذا لا يعنى أبدًا أن ثمة أسرارًا لابد أن نخفيها.. فالأمر أهون من ذلك حسبما أتصور.
تتبقى ملاحظة أظنها المرجعية الحقيقية لسؤالك.. وتتمثل فى الاعتقاد، الذى ربما يعشش فى قلوب وعقول الكثير من الشعراء من أن ثمة غموضاً لابد أن يكتنف العالم السرى للكتابة ومن ثم تحظى لحظة الخلق الشعري، بما تحويه من دوافع، بشيء ليس قليلاً من القدسية والإيهام.
وأظن أننا بشكل أو بآخر ما زلنا نعتقد فى أن عنصر الإلهام يقف خلف ما نكتبه ويعضد سحره الأخاذ بالنسبة لنا على الأقل.. وخطورة بقاء هذا الاعتقاد يعنى أننا مازلنا نؤمن بأن الشعر يوحى به، وأن الشيطان الذى كان ينفخ فى فم «ذى الزمة» هو نفسه الذى ينفخ فى أفواهنا حتى هذه اللحظة.. وخطورة استمرار هذا الاعتقاد تتمثل فى بقاء الشاعر رهن نبوة كاذبة.. ومن ثم فإن اعتداده بما يفعل، فى الشعر وخارجه، يأتى على خلفية من امتلاكه شيئًا من مس النبوة.. وتنامى هذا الاعتقاد خلق لنا شعراء شبه أميين يعتقدون أن الثقافة والمعرفة من أدوات تعطيل الفطرة الشعرية المعضدة بالوحى وفرادة الخلق.
ولا أظن الشاعر الحديث الذى يؤمن بالبناء الاجتماعى المتعادل والمتساوى يمكنه أن يؤمن بهذه القناعات، فالسوريالية مثلاً حوّلت الشاعر الذى يعيش على جبال البرانس ينتظر شيطانه إلى ساحر فقير مضحك.. بل تحول الشعر إلى الكثير من السخرية بالأقانيم وعلى رأسها أقنوم الشاعر نفسه، وأظن أن التجارب الحضارية الكبرى لم تعد فى حاجة إلى استعادة شعراء الوحي.. فقد كانت التعرية المؤلمة التى خلفتها الحروب الكبرى لآلام الإنسان موضع سؤال عميق ظل يضج بالألم والسخرية.. ويبدو أننا نحتاج إلى شيء من هذا الوعي.
• قل لي: ما مواصفات القصيدة الجيدة.. وكيف ترى الفارق بين النص الجميل والنص المؤثر!.. وهل حداثتك قطيعة مع الماضى بالضرورة؟
- كان «أبو تمام» ، وهو أحد حكماء الشعر العربي، يعتقد دائمًا أن صور الشاعر منحة «قدرية»، وهو اعتقاد يشاركه فيه الكثير من الكبار فى الشعرية العربية، ولا أعلم إذا كان هذا الاعتقاد سببًا فى تواضعه الجم الذى دفعه إلى القول عن أستاذه «البحتري» عندما سُئل عنه: «جيِّده أفضل من جيِّدي، ورديئى أفضل من رديئه». بهذا المعنى يمكننا أن نشرع فى فهم القيمة الشعرية لتراثنا الإنسانى فى الشعر وغيره، حيث تتبدى القيمة «الجودة» فى الكتابة بعيدة عن تصورات الحداثة والقدامة. وتؤكد هذا المعنى فعالية النصوص القديمة وبقاؤها فاعلة حتى الآن، ومن يتمثل كتاب «صوت أبى العلاء» وأشواق طه حسين للارتقاء بنثره فى قراءة النص إلى مصاف الشعرية وربما أبعد من ذلك. وبقاء النص فى التاريخ يعنى أن عناصر الحادثة ترتبط وثيقًا بامتلاك العناصر النسبية للتجويد، فجودة النص هى سر بقائه، لذلك فإن بورخيس كان يقول «إن كل نص جيد حديث بالضرورة، حتى لو كان مكتوبًا قبل آلاف السنين».
من هذه الزاوية يجب أن ننظر إلى حداثتنا وما نزعمه حولها بكثير من التواضع.. فهذا هو ما يدلنا على المواقع الصحيحة لأقدامنا، وأنا بشكل شخصي، ومن هذا المنظور، لا أتصور أن حداثة يمكنها أن تقوم بمعزل عن فهم الماضى الذى تطمح للوقوف على أطلاله.
• فى المجتمع المصرى والعربي.. هل يمكن الحديث عن الشعر باعتباره تطوراً للتغيرات المجتمعية.. وهل تحولات القصيدة جزء من هذه التحولات المجتمعية؟
- هذا سؤال يحتاج إلى مؤسسات المجتمع كافة للإجابة عنه، لأن ما يخص الشعر فيه يخص - فى الوقت نفسه - مؤسسات المجتمع وأفراده وجماعاته.
والملاحظة الأولى الجديرة بالنظر هى العزلة التى وصل إليها الشعر إعلاميًا ومجتمعيًا، وربما كان ذلك ترجمة لانغلاق المسام التى تؤدى إلى سبل التجديد، لدرجة بات معها الكلام عن النص الجديد يعنى نوعًا من الهزل ويدفع لمزيد من عدم الإنصات.
وبدت الصورة كما لو كان المجتمع الذى يكتب الشاعر من أجله هو من يقاوم ويرفض بل ويسخر من فكرة التجديد نفسها.. وهو تعبير قاس عن هزيمة المشروع النهضوى وإجهاضه كلية، بغض النظر عن القيمة التى حاول النص الشعرى ترسيخها.
ويذكر «إقبال أحمد» أحد كبار المنظرين فى آسيا لحقبة ما بعد الكلونيالية أن المشروع النهضوى الذى بعثته الدولة القومية كانت كارثته الحقيقية فى أنه ظل يرى نفسه من خلال الخطاب الاستشراقى الذى تركه الاحتلال ورسَّخ له وحوله إلى وجدان عام لدى النخب الفاعلة فى المجتمعات والمستوطنات المحتلة، وإدوارد سعيد نفسه يتقاطع مع هذا المعنى فى قوله «إن الدولة القومية التى تمسكت بمشروع وطنى للنهضة لم تفعل أكثر من استبدالها الشرطى الأبيض بالشرطى الوطني»، ويعنى سعيد أن آليات الوعى ظلت أسيرة الشباك التى أعدها الاحتلال للفريسة.
فى إطار هذا الوعى لابد من إدراك أن الشعر يحاول صياغة قيمة تقفز على هذا التراجع وتحاول استعادة إنسانها، دون أن يكون التعبير الشعرى رديفًا للتراجع المجتمعى وإن كان معنياً برصد هزيمته.. وارتباط الشعر بمستوى من الوعى يتجاوز البعد السياسى للحراك العام يجعله متحررًا - فى الكثير من الأحوال - من سلطة الخطاب الغوغائى الذى يروج له ساسة فاشلون أو متسلطون فى أحسن الأحوال.

فقد أدت تداعيات الهزيمة، بالمعنى الحضاري، إلى انعدام الثقة فى قدرة الفن على إنقاذ الروح العامة من الانهيار.. فى مجتمعات تفتقر إلى الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، وتُمتهن فيها كرامة الإنسان دون أدنى روادع أخلاقية أو قانونية. ومن ثم على الشعر - رغم صعوبة مسئوليته، أن يبادر إلى تبنى الدور الجمالى المناسب الذى لا ينفصل عن الدور الأخلاقي، حتى لو كان من يقاومون الحداثة هم أنفسهم المعنيون بها.

محمود قرني و الشيطان في حقل التوت : غوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض | صبحي حديدي

Posted by غير معرف | | Posted in ,

محمود قرني و الشيطان في حقل التوت : غوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض




صبحي حديدي


ضمن الحدّ الأقصي من الترجيحات المحتملة ــ والواسعة المتشعبة المعقدة ــ التي تتيحها أواليات التخييل الإنساني في توافقها حول سلسلة المعطيات والعلاقات والروابط التي تصنع وتجيز هذه الصورة الشعرية أو تلك، ما الذي يمكن أن تصفه السطور التالية:
كُوني كما تصوّرتُكِ
ساعة إشراق الشمسِ
شعرٌ أخضر يخامر الأصابعَ
يطلع ناعساً من مخمله
ينام علي قلبك الأبيض حتي الصباحْ
ويقبض علي خصرك الذي يشبه
خاتم قدّيس
أنا منتشٍ هكذا
واسمكِ يمرّ كنسمة علي فم المغنّي
أريد أن أذهب إلي السوق
وأشتري من أجلك أرواب زينةٍ
وأضواء مبهرةٍ
يا أخت أبي استسلمي لذراعيَّ
فأنا أحبك حتي النهاية.
هذه أنثي علي الأرجح، يقول قاريء. دون ريب، قد يضيف قارئ آخر، متكئاً ـ ليس دون مسوّغات، في الواقع ــ علي معطيات بيّنة مثل تواتر ضمير المخاطب المؤنث، والشعر الأخضر، وأرواب الزينة، وأخت الأب. الشاعر، من جانبه، يخاطب كائناً أنثي بالفعل، ولكنها من نوع خاصّ يصعب أن يستدعيه البال من الخزين التصويري المألوف، ولعلّه يشقّ حتي علي ذلك البال المدرّب علي إطلاق العنان للمجاز: الشاعر يناجي أنثي بالفعل، ولكنها أنثي ـ نخلة!
السطور السابقة جزء من قصيدة النخلة ، وهي عيّنة أولي علي عدد كبير من طرائق التمثيل المجازي الخاصة التي تحفل بها مجموعة الشيطان في حقل التوت (1)، للشاعر المصري محمود
قرني. ثمة هنا ما يشبه الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض، وليس بالضرورة ذاك الذي يتخلّق جرّاء اشتغال حاسّة واحدة أو عدد من الحواسّ مجتمعة، حيث يُنتفي التوافق البصري والدلالي المسبق علي مجازات النخلة، وتحلّ محلّه تنافرات أكثر منها توافقات! بيد أنها من نوع محسوب، تلك التنافرات التي لا تبدو نافرة عن الموضوع الذي تجسّده إلا في سطوح المعني المعطاة سلفاً، والمتعارف عليها في ترسانة التخييل الإنساني.
والحال أنّ ذلك الغوص إلي العميق لا يقتصر علي استعارات أخت الأب أو أرواب الزينة ، والتي تنتهك شروط التوافق المسبق لأنّ مساحة الدلالة، أياً كان اتساعها ورحابة موازينها، يندر أن تقدّم النخلة في مجاز العمّة أخت أب، أو تلك التي تُشتري لها أرواب الزينة. قرني لا يتوقف هنا، بل هو يهبط بالمعني ـ وبالأحري القول: يرتقي به ــ إلي مصافّ أخري ليست أقلّ تأهيباً للحسّ المحض القادم من، والذاهب إلي، فضاءات ليست البتة من النوع الذي نعرف. إنه يردّ اللغة إلي غرائزيتها البكر، إلي جذورها الأقلّ تماسّاً مع الذاكرة التمثيلية الناجزة الراسخة في الوعي، والأكثر تشابكاً مع الكامن والغامض والخام وغير المستكشَف.
في مواقع أخري من القصيدة ثمة غزل صريح مع النخلة ـ العشيقة هذه المرّة، يبلغ حدّ القول: سكب في قلبها حليب أصابعه/ وعندما هبط كان صدره المعطوب/ يعلو ويهبط في هياج/ كأنه فرغ للتوّ من مضاجعة طويلة ؛ وثمة زجّ للنخلة في خضمّ وقائع البشر وحكاياتهم وتواريخهم، حتي يلوح مراراً أنها ليست نخلة بأية حال، بل هي أكبر بكثير من مجرّد كائن نابض بالحياة وشاهد علي الحياة؛ وثمة، أخيراً، تلك البرهة الدرامية الكثيفة، التي يلتقطها قرني بإيجاز شديد البراعة، حين تصيبها صاعقة فلا تحترق فقط، بل تنقلب إلي ذكر: لبستْ بعدها ثوباً بنياً محروقاً/ وفقدت أنوثتها الطاغية/ هي الآن ذكر نخيل لا ينبس !
وهنالك قصيدة ثانية بديعة بعنوان كائنات صغيرة ، تسير علي منوال مماثل في ردّ اللغة إلي جذورها الغرائزية البكر، واعتماد نبرة إحيائية شاملة إزاء عنصر طبيعي آخر هو الزهرة هذه المرّة. نحن في الآن ذاته أمام طرائق أخري في الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض، لأنّ ساحة التصارع علي تقديم الزهرة ضمن مجازات مألوفة متناغمة وأخري مباغتة متنافرة هي ذاتها ساحة التصارع علي اللغة التي تنبش الحسّ أكثر من الإحساس، والخفيّ قبل الجليّ، والرؤية بعينين مفتوحتين أكثر من الرؤيا عن طريق الإغماض والاستيهام.
هذه زهرة شاردة، يقول قرني في مستهلّ القصيدة، ولكنها شربت أرتالاً من الطين والتراب ، ومع ذلك فإنها لا زالت تتعلّق بأسمائها القديمة . إنه، وكما فعل في استهلال الحديث عن النخلة في القصيدة السابقة، يغلق ألعاب التصوير عند فاتحة أولي حاسمة تدلّ علي أنّ الموصوف زهرة، ولكنها ليست شاردة فحسب، ولم تشرب أرتالاً (لاحظوا هذه الوحدة الحسابية المباغتة!) من الطين والتراب فحسب أيضاً، بل هي زهرة القناديل/ زهرة الأماسي الموجعةْ/ زهرة الحلم والمسرّةْ/ زهرة النزهات الإلهيةِ/ والقلوب العاشقةْ . أكثر من هذا، كأنّ قرني يدلّنا علي أوالية الإبصار الأولي (صانعة الحسّ قبل الإحساس...)، حين يقول عن هذه الزهرة اللبؤة بنت الشمس إنها تمضي بشراسة حجر/ وتنام بعينين مفتوحتين .
وثمة هنا أيضاً برهة درامية علي غرار ما يفعل قرني في النخلة ، إذْ أنّ الزهرة تنخرط في متتالية إثر متتالية من التحوّلات التي تردّها إلي صورة أمّها الشجرة، أو تخالف سحر الملاك النائم علي ثدي أمّه ليأكل ملكاته الصغيرات، أو تخالف نواميسها فتَطْلُع جذراً في حديد، أو تغادر عطرها... حتي تبلغ ذروة التحوّلات حين تتماهي مع ضمير المتكلّم ــ الذي لا نميّز كثيراً ما إذا كان بشراً أم نباتاً أم جماداً، والقصيدة لا تترك لنا باعثاً ذا مغزي كي نميّز في الواقع ــ فتصبح هي هو، وينقلب هو إليها، حيث الإحيائية هنا مجرّد حصيلة حسّية جبّارة وليست بحال رؤيا ميتافيزيقية عجائبية.
المثال الثالث هو قصيدة من أجل جزمته ، التي تبدو للوهلة الأولي وكأنها تدير حوارية بين الرجل و حذائه اللعين/ الذي اضطرّ لحمله تحت إبطه/ بعد أن أكل أصابعه العشرة ، وذلك طيلة ثلاثة أعوام من الضغينة قضاها الرجل في صمت. القصيدة، القصيرة نسبياً بالقياس إلي النخلة و كائنات صغيرة ، تكاد أن تعيد القاريء إلي الحكاية الشهيرة عن أبي القاسم الطنبوري وحذائه الذي لا يفارقه في جانب أوّل، وهي في جانب ثان تعتمد نبرة سردية وتروي ما يشبه الحكاية البسيطة التي
تنتهي إلي موت الرجل وهو يتوسّد حذاءه. وهي، في سطوح المعني المباشر، أشبه بالأمثولة الواقعية التي يصعب أن تحمل أوزار ما يريده قرني من نصّه الشعري إجمالاً، أي الغوص بالمعني إلي قيعان الحسّ المحض.
والحال أنّ القصيدة تفعل ذلك، بطرائق مختلفة عن سابقتيها، حين ينجح قرني في اقتيادنا إلي منطقة في التخييل تقليدية ومطروقة هي مزج الواقعيّ بالخيالي، ولكن ليس دون شحن أجواء الواقعيّ بعناصر عالية المجاز ومفتوحة الإيحاء (كما في الحديث عن حذاء يتوجب أن يفقد الذاكرة، أو أمّ تخترق منافذ الهواء بنعلها، أو موت يغافل كنسيج هفهاف، أو روح تصعد كما تمرّ شوكة في حرير، أو إنسان يدخل النار من أجل جزمة...)، وليس دون أن تُجرّ العناصر هذه إياها إلي سياقات حسّية ذات منعكسات ملموسة صارخة. كذلك لا يغفل قرني رياضته الأثيرة في جعل اللغة تتقلّب وتنقلب بين الدلالة الصريحة والدلالة المبطنة، وستولد علاقاتها المتبدّلة في الساحة ذاتها التي تشهد التصارع علي بناء المعني المجازي العالي إسوة بالخطوط الحكائية البسيطة في شبكة العلاقات الخاصة هذه، بين الرجل والحذاء.
مثال رابع يتجلي في قصيدة أخري بديعة هي إبراهيم الصحاري ، حيث يلجأ قرني إلي استراتيجيات الغوص العميق ذاتها ولكن عبر بناء شخصية إنسانية شبه روائية وشبه تسجيلية، غائمة الملامح وفردية معرّفة في آن معاً، قبل أن يُلقي بنا ــ عبرها، واعتماداً علي تعدّد وجوهها ــ في ساحة اصطراع وتصارع المعني بين المجاز المعطي الذي نبصره وندركه، والمجاز الغائب الذي يتوجّب اقتفاء أثره. ثمة في القصيدة، سوي شخصية ابراهيم الصحاري ذاتها، شبكة عجيبة تضع أنكيدو وجلجامش وأوروك في الحقل الدلالي ـ وربما الرمزي السياسي ـ لأمثال تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وسيبل وألكساندرا وسيبيريا... في سياقات محلية ومصرية لا تخفي!
وثمة جدل خاصّ في انكشاف هذه الشبكة، حيث القاسم المشترك فيها إبراهيم نفسه، ثمّ مَن وما يقف خلفه: خلف تروتسكي إبراهيم، وخلف إبراهيم الماضي، وخلف الماضي إمرأة لا يبوح باسمها، وخلفها الموت... حتي أنّ الحلقة لا تبدو وقد فُتحت لكي تُغلق عند كلّ شخص/ رمز أو شخص/ دلالة، أو كأنّ فضيلة هذا التوالد هي أنّه يشرّد المعني بعيداً عن ترجيحاته الشائعة. أهمية هذه القصيدة أنها بالفعل تعتمد الآدميّ استعارة مفتوحة علي غرار استعارة النخلة والزهرة، ولكنها تخضعه لسيرورات إحيائية معاكسة إذا صحّ القول: إنه بشر من لحم ودمّ، ولكن الشبكة التي تزجّه فيها القصيدة تحيله إلي مجاز عائم، غنيّ ومتشابك ومتراكب وأخّاذ. القصيدة هي التي تولّت صناعته، والقصيدة هي التي تتولي خلاصه:
يا رفاقي
تذكّروا السفينة الجميلة
التي استقلّها الموت
إلي الفيضان
فنجا وحده
وعاش من أجلنا
إنه يسكن الكثير من خطواتنا
يسكن في سراديب سرّية لا يعلمها إلا مَن رآه
خلف إبراهيم
يجلس الموت
وسوف أكتب
قصيدة جديدة
عن صراعهما غير المتكافئ
الطرائق السابقة، وسواها كثير كما ينبغي القول ببهجة خاصة، تنطوي علي مجازفة تعبيرية ليس الفاصل فيها بين المعني واللامعني، وبين المجاز واللغو، إلا ذلك الخيط الواهي الرفيع غير المرئي. وهكذا فإنّ ما نلذّ له حين نتوافق مع توافقات قرني التي تنتهك خزين مخيّلتنا المألوفة، يضعنا في الآن ذاته إزاء مشاقّ استقبال عدد آخر من تمثيلاته التصويرية، دَعْ جانباً احتمال فشلنا في تفكيك
عناصرها وعجزنا بالتالي عن حُسْن تثمينها. إنه، مثلاً، يطلب من الحمّي أن تتمهل حتي يلقي نظرة أخيرة علي خيبته، هذه التي ذبحتني بين جحيم وجحيم/ وأضحكت منّي خرافاً صغيرة/ هي في الأصل نهودٌ مُغيْرة . وليس من اليسير، بل هي رياضة شاقّة للغاية في الواقع، أن تتفاعل أية مخيّلة، أياً كان مقدار نشاطها وتحرّرها من المعطيات المألوفة، أن تقيم الرباط التصويري الذي يريده الشاعر بين الخراف والنهود.
مثل هذا أيضاً قوله: للشيخوخة التي حوّلت فمي/ إلي ساحة يتشاجر فيها الأحفاد ؛ وكذلك حديثه عن أميرة تشبه برج كنيسة/ يحاول دائماً أن يغادر المحراب ؛ أو، أخيراً، قوله: يقرص معونة الشتاء في أذنها/ قبل أن يسمّيها عبث الآلهة . غير أنّ هذه ضريبة مستحقة علي القارئ، لقاء ما يوفّره قرني من مباهج تصويرية فاتنة حقاً:
ـ بحيرة من الصراخ والعويل ؛
ـ أدلق جردلاً من السبرتو/ علي مدن هؤلاء الحمقي/ وبعود ثقاب يمكنني إنهاء المسألة ؛
ـ ستعودين ـ قطعاً ـ إلي عرض البحر/ وبفضل التكنولوجيا التي تقدّسينها/ ربما تحوّلتِ إلي بارجة ؛
ـ كانت رؤوماً كإبنة بارّة/ ونحيفة كأكاليل الغار ؛
ـ كان أبوه قد ألقي به/ كنرد في خلاء ؛
ـ تمضي بشراسة حجر ، هذه الصبية التي تدمّر حقلاً/ بشارة إصبع/ ثمّ تملأ الأباريق/ بدموعها... ؛
ـ ويكسرون زلّة لساني/ بكلام أفهمُ قليله/ وأترك بقاياه علي أقرب قارعة ؛
ـ آثرتُ الصمت/ وربطتُ لساني في عربة يدٍ صغيرة/ مات طفلُها ؛
ـ كانت طرية هادئة/ تطفو بسهولة كأنبوب في غدير ؛
ـ قالت له: يا بنيّ كُنْ هبة موشومة بالمحبة/ فكان غاراً عملاقاً لفأر في متاهة ؛
ـ كان أمام البيت يرمق جدّته/ وينزع مسمارين دقّهما الفقر/ في عينيها ؛
ـ المهمّ أن نبحث عن الجرادة/ التي اختبأت قروناً في قلب الوردة/ وتجمدت معها في ثلج سيبريا ؛
ـ كانتا كنهارين شاسعين/ اخترَقَهما مساءٌ ...
والمجموعة تضمّ عشر قصائد متفاوتة الحجم، أقصرها باب الأكاذيب التي تقع في 30 سطراً، وأطولها إحدي وعشرون طلقة علي روحه التي تزيد عن 330 سطراً. الدلالة الخاصة في هذا التفصيل هي طبيعة الضغوط التي يمكن أن يمارسها الحجم علي شكل القصيدة من جانب أوّل، وعلي موضوعاتها من جانب ثان. فالقصيدة القصيرة والمتوسطة تبدو أقرب إلي الغنائية والإنشاد وبناء اللقطة الخاطفة وإحكام الإيقاع، كما في هذا المثال من قصيدة ميدوزا :
أيّ شاطئ سيأخذني اليومَ
إلي المياه الدافئةْ؟
وأيّ الضحايا ستبكيها المفازة
التي ملأناها بالسعادينْ
أهي الأوجاع التي ذابتْ في عروق أصابعنا
أهو الضباب الذي جعل الغزالة تخطيء قاتلها
أم هي أوراق الأشجار التي حملتها المياه
العميقة إلي الغائبين
هذه الأشياء العابرة التي لا أعرف شيئاً
عن مصيرها تقطع الطريق جيئة وذهاباً
إنها الأغنيات الضالة
التي تركت العنان لأميرة
تتحدّث عن الحبّ أمام رجل ميت...
والقصيدة الطويلة تميل إلي النَفَس الملحمي والمسح البانورامي والسرد واستحضار التاريخ والتقطيع إلي أجزاء. قصيدة إحدي وعشرون طلقة علي روحه تنقسم إلي أربعة أجزاء، ولا ريب في أنّ قرني بذل جهداً مضنياً كي يُبقي هذه الأجزاء مترابطة في الحدّ الأدني، ليس بمعني افتعال وحدة عضوية للقصيدة، بل وصولاً إلي تلك الحال المدهشة من تعدّد الأصوات والضمائر والنبرة

والتشكيلات الإيقاعية. وفي القصيدة الكثير من عناصر السيرة الذاتية كما يلوح جليّاً، حول الذات والأب والأمّ وزوجة الأمّ والجدّ؛ وفيها استجماع مَزْجي لتجليات الخير والشرّ والحياة والموت والحاضر والماضي، حيث تُتاح الفرصة كي تتسلل غنائية شفيفة هنا وهناك، أو وقفة رثائية، أو ترتيل يمزج الغزل بالصلاة؛ وفيها عمارة للموضوعات ذات طابع تشكيلي وتعاقبي: فاتحة بضمير المتكلم عن الخيبة والحبّ، ثمّ تنويع للضمائر والشخوص والعناصر، بينها الماضي الشخصي والسيرة والحرب والتاريخ، ونقلة إلي المدينة وبوّابات العالم الواسع والجدّ والجدّة والحرب من جديد، واختتام بالعودة ثانية إلي عنصر الاستهلال والحبّ والحبيبة...
وتبقي إشارة إلي أمرين هامّين في سيرة محمود قرني الأسلوبية:
الأوّل أنه بدأ بقصيدة العمود؛ ثمّ انتقل إلي قصيدة التفعيلة بين سنوات 1985 ـ 1990، ومجموعته خيول علي قطيفة البيت (2) تضمّ بدورها عشر قصائد في هذا الشكل؛ قبل أن يستقرّ نهائياً علي قصيدة النثر في مجموعاته اللاحقة. وقاريء قصائد التفعيلة تلك يلمس بوضوح تمرّس قرني النسبي في هذا الشكل، وهذا يفسّر استجابته الملحوظة لإغواء الإيقاع والتشكيلات الإيقاعية في ما سيكتب بعدئذ من شعر في شكل قصيدة النثر.
الأمر الثاني أنه، في بدء حياته الشعرية، كان شديد التأثّر بشعر محمد عفيفي مطر، خصوصاً مجموعته الشهيرة الفارقة ملامح الوجه الأنبادوقليسي ، وهذا بدوره يفسّر ذلك المزيج الخاصّ من حشد النبرة الفلسفية وميتافيريقا المكان والأسطورة، واستعادة المشهدية الرعوية ومناخات القرية المصرية والريفية إجمالاً. لكنّ حال قرني مع عفيفي مطر لم تختلف عن حاله مع قصيدة التفعيلة، لأنه سرعان ما تحرّر من ذلك التأثير (الذي، في قناعتي، لم يكن طاغياً علي أية حال) فاستجمع صوته الشخصي، وأخذت مجموعاته تراكم نبرة متميّزة تلو أخري، بحيث أننا نقرأ اليوم واحداً من أنضج شعراء مصر المعاصرين، وأكثرهم انفراداً في الموضوعات والأسلوبية والأدوات.
ناقد من سورية يقيم في باريس
إشارات:
(1) محمود قرني: الشيطان في حقل التوت . ميريت، القاهرة 2004. 117 صفحة.
(2) صدرت خيول علي قطيفة البيت ، التي تضمّ قصائد التفعيلة، سنة 1998 بعد مجموعتَي حمّامات الإنشاد ، 1996، و هواء لشجرات العام ، 1998، حيث استقرّ قرني علي خيار قصيدة النثر نهائياً. المجموعة الرابعة طرق طيبة للحفاة صدرت سنة 2000.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

المنجز اليومى

المشاركات الشائعة